
من المعهد الإسلامي بداكار إلى معهد إسلامي عال : ضرورة أكاديمية ملحّة
بقلم أحمد سعيد جوب
تعكس السياسات التعليمية لأي دولة هويتها الثقافية وتوجّهاتها الحضارية، إذ لا يمكن فصل التعليم والتخطيط الأكاديمي عن القيم المجتمعية السائدة ، وفي السنغال، حيث يشكّل الإسلام دين الأغلبية، تبرز الحاجة الملحّة إلى أن يراعي التعليم العالي هذه الخصوصية، بما يضمن انسجامًا حقيقيًا بين المنظومة التعليمية وتطلعات المجتمع.
خلفية تاريخية
عرفت السنغال الاستعمار الفرنسي في مرحلة كانت فيها الحضارة العربية الإسلامية، بثقافتها ونظامها التعليمي، متجذّرة بعمق في تاريخ البلاد. وقد أدرك المستعمر منذ الوهلة الأولى أن فرض مشروعه التوسعي والاستغلالي في ظل هذه الحضارة العريقة لن يكون سهلًا، فاعتمد مختلف الوسائل لمواجهتها ومحاولة تهميشها.
ورغم رحيل الاستعمار، فقد خلّف وراءه دولةً عانت علاقتها مع فئات واسعة من المجتمع من التهميش والإقصاء، بسبب تمسّك هذه الفئات بحضارتها ونظامها التعليمي العربي الإسلامي بوصفه جزءًا لا يتجزأ من هويتها. واستمر هذا الوضع لسنوات طويلة في ظل ضعف الاعتراف الرسمي بهذا المكوّن الثقافي والتربوي.
وأمام تحدي إنجاح السياسات التعليمية الوطنية، خاضت الدولة السنغالية مسارًا طويلًا من البحث عن حلول، امتدّ لعقود، وانتهى إلى قناعة راسخة بضرورة إدماج التعليم الديني ضمن المنظومة التعليمية الرسمية.
وفي عام 2002، تم إدراج مادة التربية الدينية إلى جانب اللغة العربية في المناهج الدراسية، كما أُنشئ نظام المدارس العمومية الفرنكو-عربية. وأصبح التلميذ يتلقّى تعليمًا في اللغة العربية والتربية الدينية من المرحلة الابتدائية إلى نهاية التعليم الثانوي.
غير أن هذا التطور، على أهميته، أفرز اليوم حاجة جديدة تتجاوز مجرد الإدماج، وتتمثل في إنشاء مؤسسة للتعليم العالي متخصصة في الدراسات الإسلامية.
إشكالية غياب الامتداد الجامعي
يواجه خريجو التعليم الثانوي في شعبة الدراسات الإسلامية إشكالية حقيقية تتمثل في غياب مسار جامعي طبيعي داخل الجامعات السنغالية. وغالبًا ما يُجبر هؤلاء على الالتحاق بأقسام اللغة العربية والحضارة، في ظل غياب تخصّص جامعي مستقل في العلوم الإسلامية.
ورغم المكانة العلمية المرموقة التي يحتلها المعهد الإسلامي بداكار، فإن اقتصاره على التعليم الثانوي يحدّ من دوره الأكاديمي، ويحول دون استثماره كمؤسسة قادرة على تأطير البحث العلمي وتكوين الكفاءات العليا. وهنا يبرز تساؤل مشروع: أليس من الضروري اليوم الارتقاء بهذا المعهد إلى مؤسسة تعليم عالٍ تمنح شهادات جامعية في الدراسات الإسلامية؟
فجوة واضحة بين التعليم الثانوي والجامعي
تشكل التربية الدينية جزءًا أصيلًا من النظام التعليمي السنغالي، ويحصل سنويًا عدد معتبر من الطلبة على شهادة البكالوريا الفرنكو-عربية. وتشير نتائج الامتحانات الثانوية لسنة 2024 وحدها إلى وجود 2715 طالبًا حصلوا على الشهادة الثانوية في مسار اللغة العربية، وهو ما يعكس حجم القاعدة الطلابية المؤهَّلة للالتحاق بالتعليم العالي في هذا المجال. ولا شكّ أن نسبة كبيرة من هذا العدد كانت ستتخصص في الدراسات الإسلامية لو كانت متاحة لهم.
غير أن محدودية الخيارات الجامعية المتاحة تدفع هؤلاء الخريجين إلى الالتحاق بتخصّصات بديلة، مثل اللغة العربية والحضارة، رغم أن ميولهم الأكاديمية تتجه في الأصل إلى مجالات أكثر تخصّصًا، كالفِقه، وعلوم القرآن، أو المالية الإسلامية.
وفي المقابل، يمتلك المعهد الإسلامي بداكار من المقومات العلمية والبشرية ما يؤهله للاضطلاع بدور محوري في هذا المجال، غير أن حصره في المستوى الثانوي يخلق فراغًا أكاديميًا واضحًا في مسار التكوين الجامعي.
مبرّرات إنشاء معهد إسلامي عالٍ في السنغال
إن تحويل المعهد الإسلامي إلى مؤسسة جامعية يحقق جملة من المكاسب الاستراتيجية، من أبرزها:
- ردم الفجوة الأكاديمية من خلال توفير مسار جامعي متكامل يضمن استمرارية التكوين دون اضطرار الطلبة لتغيير تخصّصهم أو الهجرة الأكاديمية.
- تعزيز التعليم الديني الرسمي عبر إرساء برامج أكاديمية منظّمة ومعترف بها وطنيًا.
- توظيف الكفاءات الوطنية من الأكاديميين السنغاليين الحاصلين على شهادات عليا في العلوم الإسلامية من جامعات عربية وإسلامية مرموقة.
- تكوين أطر متخصصة قادرة على تلبية حاجات المجتمع في مجالات الإفتاء، والقضاء الشرعي، والتعليم، والبحث العلمي.
- تعزيز الهوية الدينية والوطنية من خلال تعليم يجمع بين الأصالة الإسلامية والمعايير الأكاديمية الحديثة.
آفاق التنفيذ
يتطلّب تجسيد هذا المشروع إجراء دراسة جدوى علمية بإشراف وزارة التعليم العالي وإدارة المعهد الإسلامي بداكار، إلى جانب تعبئة دعم المثقفين والجامعيين وفعاليات المجتمع المدني.
كما يمكن الاستفادة من تجارب وطنية وإقليمية رائدة، مثل جامعة الشيخ أحمدو بمبا في طوبى، ومؤسسات مماثلة في موريتانيا والمغرب، إضافة إلى بناء شراكات مع جامعات إسلامية دولية لتطوير البرامج وتكوين الكوادر.
خاتمة
إن إنشاء معهد إسلامي عالٍ في السنغال لم يعد خيارًا فكريًا، بل أصبح ضرورة تربوية وثقافية ملحّة. فهو يضمن استمرارية التكوين الأكاديمي، ويعزّز التعليم الديني الرسمي، ويسهم في إعداد نخبة علمية مؤهلة للقيام بأدوار محورية في المجتمع.
ويبقى الرهان معقودًا على مدى استعداد السلطات التعليمية لإدراج هذا المشروع ضمن أولوياتها المستقبلية.
أستاذ بالثانوية الفرنكو-عربية – زيغينشور/السنغال



أتفق تمامًا مع التحليل، فالعلاقة بين التعليم والقيم المجتمعية حقيقة لا يمكن تجاهلها، خاصة في سياق مثل السنغال.
Website penipu Indonesia, website penipu anak kampang
**biodentex**
biodentex is a dentist-endorsed oral wellness blend crafted to help fortify gums, defend enamel, and keep your breath consistently fresh.