Articles

قراءة تحليلية لأرجوزة إلهام السلام في ضوء انكشاف القوة الزائفة – فضائح ابستاين نموذجا

د.شعيب كيبي


ليست الفضائح الأخلاقية الكبرى التي هزّت بنية “النخبة العالمية” في العقود الأخيرة—ومنها ما ارتبط باسم إبستين وشبكاته العابرة للقارات—أحداثاً معزولة في سجلّ الجريمة السياسية أو الجنائية، بل هي علامات كاشفة عن تصدّع أعمق في بنية الحداثة الغربية حين انفصلت القوة عن القيم، والسلطة عن المسؤولية، والذكاء عن الضمير. ومن منظور عرفاني سنّي، فإن هذه الوقائع لا تُقرأ بوصفها “سقوط أفراد”، بل باعتبارها تجلّيات لقانون إلهي عام: الاستدراج، ورفع الشيء إلى موضع سقوطه. وهذا ما عبّر عنه الشيخ الخديم، أحمد بن محمد بن حبيب الله، بحدسٍ بصيريٍّ سابقٍ على زمنه، حين قال:
يرى الخفايا بعين القلب ظاهرة = كما يشاهد ما تحت الأكنات ( ).
فالعارفون لا يُخدَعون ببريق السطوح؛ لأنهم بفراسة المومن وببصيرتهم الثاقبة يقرأون المآلات في البدايات، ويرون النهاية مطوية في صعودها الأول.

أولاً: الاستدراج الإلهي ورفع الانخفاض من الهيمنة إلى الانكشاف
تُعلّمنا السنن القرآنية أن بعض أشكال “التمكين” ليست كرامة، بل امتحاناً مؤجَّلاً بالعقوبة: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 182) وقد عبّر الشيخ الخديم عن هذا القانون بلغة صوفية دقيقة، حين وصف صعود قوى الضلال بأنه:
وللعنا قائدهم قد سارا = ورفعهم إلى انخفاض صارا
فهو رفعٌ شكلي في عالم المادة، يقابله سقوط وجودي في ميزان الحق. وهنا تتبدّى عبقرية القراءة العرفانية: فليس كل ارتفاع نمواً، وليس كل نفوذ قوة. إن الشبكات التي ادّعت الوصاية على العالم—سياسياً، واقتصادياً، وثقافياً—لم تكن في حقيقتها سوى تجسيدٍ لجماعية الشهوة حين تتحالف مع السلطة، وهو ما يجعل الانهيار حتمياً؛ لأن البناء قام على ضدّ سنن البقاء.
ويعزز هذا المعنى قوله أيضاً:
يسعون في الليل وفي النهار = لجالبٍ لغضبِ الجبار
إذ يكشف أن الحركة المحمومة لهذه القوى ليست سعياً عمرانياً، بل اندفاع أعمى نحو استجلاب أسباب الهلاك.

ثانياً: سيمياء التضخّم حين يخطئ العالم في تشخيص الورم:
من أخطر أخطاء الوعي المعاصر الخلط بين التضخم والنمو، وبين التراكم المادي والقوة الحقيقية. فالقوة التي لا يوازيها معنى، والثراء الذي لا تحرسه قيمة، والذكاء الذي لا يهذّبه ضمير، كلها – في ميزان السنن – أورام حضارية لا علامات صحة. وقد فضح الشيخ الخديم هذا الوهم الحضاري بعبارة نقدية بالغة العمق:
لا تجعلوا منتفخاً قد ورما = مستسمناً فذاك جهلٌ علِما
فالمنتفخ ليس سميناً، والمستعرض للقوة ليس قوياً، والمالك للأدوات ليس بالضرورة مالكاً للحقيقة. وفي هذا السياق، يصبح “النفوذ العالمي” الذي تهاوى فجأة—بمجرد انكشاف طبقاته السفلى—دليلاً على أن الهيبة كانت خديعة بصرية، وأن الجماهير أُرهبت بالضجيج لا بالمعنى. ويؤكد الشيخ هذا المعنى بقوله:
وظنّهم كلُّ سفيهٍ غُمر = ساداتِ أهلِ ذي الجلالِ الغُر
حيث يكشف أن الانبهار بالقوة هو في ذاته علامة سفهٍ في الميزان المعرفي.

ثالثاً: سقوط الأقنعة: البغي بوصفه فعلاً انتحارياً
حين تُرفع الأستار عن شبكات الاستغلال الجنسي، والابتزاز، وتشييء الإنسان—خصوصاً الطفل والمرأة—فإننا لا نشهد مجرد جريمة، بل انتحار منظومة. يقول تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ (فاطر: 43) وقد لخّص الشيخ الخديم هذه الحقيقة الأخلاقية بقوله:
ولا تظنوا أنهم ملوك = بل إنما كلهم صعلوك
الصعلوك هنا ليس توصيفاً اجتماعياً، بل حالة وجودية: إنه من فقد السيادة على نفسه، فكيف يدّعي السيادة على العالم؟ ويؤكد هذا المعنى قوله:
وضيعوا أعمارهم جميعا = في كل فعلٍ يُسخطُ البديعا
فالسقوط إذن من الداخل لا من الخارج، ومن الرذيلة لا من الخصوم، ومن الفساد البنيوي لا من المؤامرة.
.
رابعاً: يقظة الروح من سكرات الحداثة الزائفة :
في مواجهة هذا المشهد، يرفع الشيخ الخديم نداءه العابر للعصور:
قلت منبهاً لكم يا قومي = استفقوا من سكرات النوم
فالحداثة التي وعدت بالتحرر انتهت إلى استعباد جديد: استعباد الشهوة، واستعباد السوق، واستعباد الصورة. إن العزة—في المنظور القرآني والعرفاني—لا تُستجدى من مراكز النفوذ، بل تُستمد من التحقق بالحق:
فإنما العزة للرحمن جميعها = ولذوي الإيمان
ويعزز هذا المعنى بقوله:
ومن تعزّز بغير الله = فهو ذو ذلٍّ سفيهٍ لاه
وهو عين ما قرره القرآن الكريم: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (فاطر: 10)

الخاتمة: انكشاف الوهم وثبات الحق
إن ما نشهده اليوم ليس نهاية العالم، بل نهاية وهمٍ عن العالم. وما يتهاوى ليس الحضارة في جوهرها، بل الأوثان التي نُصبت داخلها. يبقى وجه الحق ساطعاً، لأن نوره ليس انعكاساً لسلطة، بل إشراق معنى. وتبقى الأقدام الراسخة هي تلك التي مشت على أرض الواقع، لكن قلبها معلق بالأفق المتعالي. فكل ما لم يُبنَ على الحق—مهما شمخ—إلى زوال، وكل عرش لم يتكئ على العدل—مهما تحصّن—إلى سقوط. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (الرعد: 17)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى