
المنابر الدينية: بين إغواء السلطة وأهواء الجماهير
شعيب امباكي ” ريديس “
تُعدّ المنابر الدينية — إسلامية كانت أو غيرها — من أخطر مواقع التأثير في الوعي الجمعي؛ إذ تتقاطع فيها العقيدة بالأخلاق، والنص بالواقع، والهداية بالمصلحة. ومنذ فجر التاريخ البشري، ظلّ المنبر ساحة صراع خفيّ بين رسالتين: رسالة الصدق والأمانة، ورسالة التوظيف والاستغلال. ويتجلّى هذا الصراع اليوم بوضوح بين إغواء السلطة من جهة، وأهواء الجماهير من جهة أخرى. غير أنّ الخطر الأكبر — في ميزان البصيرة — لا يكمن في إغواء السلطة بقدر ما يكمن في أهواء الجماهير.
لا شكّ أنّ السلطة حين تحاول تطويع المنبر، فإنها تسعى إلى شرعنة سياساتها، وتجميل أخطائها، وإلباس الواقع لباس القداسة. غير أنّ هذا التواطؤ سرعان ما ينكشف؛ فالمسلمون، عبر تراكم التجارب، سرعان ما يكتشفون العالِم الذي يتواطأ مع السلطة، ويُسخّر النص لخدمة الحاكم. ومع الزمن، يسقط هذا الخطاب، لأن السلطة متغيّرة، ومصالحها مكشوفة، وسلطانها زائل، أو لأن الخطاب ذاته يفقد أثره ومصداقيته.
أمّا أهواء الجماهير، فهي أخفى مسلكًا، وأعمق أثرًا، وأطول بقاءً. فالجماهير لا تطلب الحق دائمًا، بل كثيرًا ما تطلب ما يُرضيها، وما يُشبع غضبها، وما يؤكّد تصوّراتها المسبقة، ولو كان ذلك على حساب التوازن الشرعي، وفقه المآلات، ومقاصد الدين. وحينها يتحوّل المنبر من موقع تربية وهداية إلى منصّة إثارة وشحن، ويغدو الخطيب أسيرًا للتصفيق بدل أن يكون دليلًا على الصراط المستقيم.
وهنا تبرز حقيقة دقيقة: فالعالِم الحقيقي لا تُصفّق له الجماهير، بل تُنصت إليه الخاصة، أو خاصة الخاصة؛ لأنه يسبق زمنه، ويخاطب العقول لا العواطف، ويقول ما يجب قوله، لا ما يُحبّ الناس سماعه. فالعلم الصادق غالبًا ثقيل على النفوس؛ يحتاج صبرًا وفهمًا وتدرّجًا، ولا ينسجم مع منطق الاستهلاك السريع للشعارات:
﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
ولذلك، لم يكن العلماء الكبار في تاريخ الأمة نجوم جماهير، بل كانوا منارات هدى، لا يعرف قدرهم إلا من طلب الحق لذاته.
ومن هنا، فإنّ كل من يتحدّث في الدين والسياسة فيُصفّق له الناس بحرارة، ويُقدَّم بوصفه “صوت الجماهير”، فهو — في الغالب — أسير لهوى خفيّ، وإن رفع راية الجرأة والصدق. فهذا النوع من الخطباء أخطر على المجتمع من العالِم المُوظَّف للسلطة؛ لأن خطره مُقنَّع، ومتزيّن بثوب الغيرة، ومحصَّن بالقبول الشعبي. وهو لا يحتاج إلى أموال السلطة، بل قد يزهد فيها عمدًا، لأن ما يطلبه أخطر: الشهرة الشعبية، والرمزية الجماهيرية، وصورة “العالِم الشجاع” التي تتردّد في المجالس ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.
إنّ هذا الصنف من الخطباء قد يعارض السلطة لا طلبًا للحق، بل طلبًا للتصفيق؛ وقد يرفع سقف الخطاب لا شجاعةً، بل مزايدة؛ فيُغذّي الانقسام، ويُسطّح الوعي، ويُحرّك الغضب دون بوصلة علمية أو أخلاقية. وهنا لا يكون المنبر أداة إصلاح، بل وقود اضطراب، ولا يكون الخطيب وارثًا للأنبياء، بل صانع جمهور.
لقد علّمنا الإسلام أنّ الحق لا يُعرف بالكثرة، وأنّ الاستقامة لا تُقاس بدرجة الشعبية. والمنبر الذي يخضع لأهواء الجماهير — ولو بدا معارضًا للسلطة — أخطر من منبرٍ خاضع لها؛ لأن الأول يُزيّف الوعي باسم الدين، ويجعل الهوى شريعة، والانفعال منهجًا، بينما الثاني سرعان ما يُفضَح بالحسّ الفطريّ.
إنّ المنابر الدينية أمانة ثقيلة، وأخطر ما يهدّدها ليس سطوة السلطان وحدها، بل فتنة التصفيق، وعبادة الجماهير، والركون إلى ألقاب:
“الشجاع”، “الناطق بالحق”، “الذي لا يخاف السلطة”، “الصنديد المعارض”.
فإغواء السلطة يُكشَف، أمّا الهوى إذا تديَّن، وتزيَّن بلباس الجرأة، فقد يُعمِي البصر والبصيرة معًا.
الله المستعان.
دكار، ٢ فبراير ٢٠٢٦م




Thank you for putting this in a way that anyone can understand.
أتفق تمامًا مع هذا التحليل العميق، فالإشكال يكمن في التوازن الدقيق بين دور الدعوة الحقيقية والضغط السياسي الممارس.
I appreciate the real-life examples you added. They made it relatable.
I like how you kept it informative without being too technical.