
الشيخ محمد الفاضل امباكي: قائدٌ ربّاني وبانٍ حضاري في مسيرة المريدية
شعيب امباكي ريديس
يُعَدّ الشيخ محمد الفاضل امباكي، الخليفةَ الثاني للطريقة المريدية رضي الله عنه، من الأعلام الكبار، ومن الشخصيات الاستثنائية التي جمعت بين الصفاء الروحي، والحكمة القيادية، والعمل الميداني الدؤوب. فقد كان وفيًّا لرسالة الشيخ أحمد الخديم رضي الله عنه، ومجسِّدًا لها قولًا وعملًا، حتى غدت إنجازاته شواهدَ حيّة على مرحلة مفصلية في تاريخ طوبى خصوصًا، والسنغال عمومًا.
لقد تميّز الشيخ محمد الفاضل برؤية شمولية للدين، ترى في العبادة والعمل وجهين لحقيقة واحدة؛ فكانت مسيرته حافلة بالعطاء في مجالات البنية التحتية، والتنظيم الديني، والتنمية الاجتماعية، والتوجيه السياسي الرشيد.
ففي مجال العمران والبنية التحتية، قام بتمديد السكة الحديدية من المحطة الكبرى إلى المحطة الصغرى، أي من كيلومترين إلى ستمائة متر، مما أسهم في تحسين الربط وتسهيل حركة الأشخاص ونقل البضائع التي استُعملت في بناء المسجد الخديمي. كما أشرف على تمديد الطريق الوطني رقم (1) من مدينة جانابا إلى طوبى، إلى جانب فتح وتطوير طرق أخرى، مثل الطريق بين طوبى ودارا جولوف، وطوبى وكبمير، وطوبى وكافرين، الأمر الذي ساهم في فك العزلة عن المدينة وتعزيز إشعاعها الديني والاقتصادي.
وفي الجانب الصحي، أدرك الشيخ محمد الفاضل أن عمارة الإنسان لا تقل شأنًا عن عمارة المكان، فقام ببناء مركز صحي في طوبى 28، ليكون لبنةً أساسية في خدمة السكان والزوار، في زمنٍ كانت فيه الخدمات الصحية محدودة وشحيحة.
أما في مجال التنمية الريفية والزراعية، فقد أولى الشيخ محمد الفاضل اهتمامًا بالغًا بالعمل والإنتاج؛ فقام بحفر عشرات الآبار الارتوازية لتوفير الماء، أساس الحياة، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيّ﴾،
كما أسّس عشرات القرى الزراعية، مشجّعًا على الزراعة والاكتفاء الذاتي، ومترجمًا قيم الجدّ والاجتهاد التي قامت عليها الطريقة المريدية.
وعلى الصعيد الديني والتنظيمي، يُعَدّ من أعظم إنجازاته دعوته كافة المريدين إلى الاجتماع في طوبى يوم الثامن عشر من شهر صفر من كل عام، تعظيمًا لأمر الشيخ أحمد الخديم، بالشكر لله تعالى في ذكرى نفيه إلى الغابون. وقد تحوّل هذا الموعد إلى مناسبة جامعة تُستحضَر فيها معاني الصبر والثبات والوفاء، وتُجدَّد فيها العهود والمواثيق.
ولم يكن الشيخ محمد الفاضل بمعزل عن قضايا عصره، بل كان حاضرًا بوعيٍ وبصيرة في القضايا السياسية المصيرية، متدخلًا فيها بحنكة وذكاء، محافظًا على التوازن بين الثوابت الدينية ومتطلبات الواقع، ومقدِّمًا النصح الصادق بما يخدم السلم والاستقرار والوحدة الوطنية.
كما تجلّى حرصه على شعائر الإسلام في تفويج ما يقارب ثمانمائة (800) شخص إلى الحرمين الشريفين لأداء مناسك الحج، ميسّرًا لهم سبل هذه العبادة العظيمة، ومؤكدًا أن خدمة الدين لا تنفصل عن خدمة أهله.
ويبقى الإنجاز الأسمى والأخلد في مسيرته إكماله أكبر أمنية خديمية، وهي المسجد الجامع بطوبى، وتدشينه في السابع من يونيو سنة 1963م، ذلك الحلم العظيم الذي راود الشيخ أحمد الخديم حتى جمِع له – في ظرفٍ عصيب – ما يقارب خمسة ملايين فرنك إفريقي. ولم يكتفِ الشيخ محمد الفاضل بإتمام بنائه، بل تولّى الإمامة فيه حتى وفاته سنة 1968م، فجمع بين شرف التشييد وشرف الإمامة، وبين عمارة الأحجار وعمارة القلوب.
وإلى جانب هذه الإنجازات المادية والتنظيمية، تميّز الشيخ محمد الفاضل بخصالٍ إنسانية وأخلاقية رفيعة؛ فقد عُرف بانفتاحه على جميع شرائح المجتمع دون تمييز، وشملت معاملته الحسنة المسلمين وغير المسلمين، في تجسيد عمليّ لروح الإسلام وقيمه في التعايش والرحمة والمودة.
وكان سخاؤه مضرب المثل، إذ جاوز في عطائه الحدّ، يعطي من عرف ومن لا يعرف، لا يسأل عن خلفية ولا انتماء، وإنما يرى في العطاء عبادةً وقُربةً إلى الله تعالى الذي خلق الإنسان وكرّمه. كما عُرف بصبره الثابت على نوائب الدهر، فلم تُثنه الشدائد عن المضي في طريقه، بل زادته ثباتًا ورضًا وتسليمًا، شأنه في ذلك شأن الشيخ الخديم القائل:
يا ربِّ إن أعطيتَني فشُكرٌ
وإن منعتَ فرضًا وصبرُ.
أما حبّه العميق للشيخ أحمد الخديم، فكان حبًا صادقًا متجذّرًا في القلب، متغلغلًا في الوجدان، عبّر عنه شعرًا، فقال:سفكُ الدموعِ لحبِّ
الخديمِ فرضًا أراه.
وقد تُوِّجت هذه الصفات كلها برحمته الواسعة بخلق الله تعالى؛ فكان لين الجانب، قريبًا من الناس، حريصًا على جبر الخواطر، يرى في خدمة الخلق طريقًا صادقًا إلى مرضاة الخالق سبحانه وتعالى.
وختامًا، فإن الشيخ محمد الفاضل رضي الله عنه يمثل نموذجًا متكاملًا للقيادة الربانية التي تجمع بين الإيمان العميق، والعمل المرضي، والحكمة في المواقف، والرحمة في التعامل. وقد ترك أثرًا خالدًا في العمران وبناء الإنسان، فاستحق أن يُخلَّد ذكره في ذاكرة المريدية والسنغال، شاهدًا على أن طريق الشيخ الخديم هو طريق بناءٍ شاملٍ للدين والدنيا، والروح والمادة.
فجزاه الله تعالى عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وعن الإنسانية جمعاء .
طوبى، 27 رجب 1447هـ
الموافق: 16 يناير/كانون الثاني 2026م


