Articles

اغتيال سيف الإسلام القذافي: رصاصة في مسار السياسة الليبية؟

محمد عبد الرحمن ولد عبدالله

في تطور دراماتيكي يعيد خلط الأوراق داخل المشهد الليبي، سلّم مكتب النائب العام الليبي رسمياً جثمان سيف الإسلام معمر القذافي إلى أعيان قبيلة القذاذفة، تمهيداً لنقله إلى مدينة سرت، مسقط رأس والده، وسط إجراءات أمنية مشددة وترقّب شعبي واسع. وأكدت النيابة العامة، وفق ما أُعلن، أن التقارير الطبية أثبتت وفاته متأثراً بإصابات مباشرة بطلقات نارية، عقب هجوم مسلح استهدف مقر إقامته في مدينة الزنتان، نفذته مجموعة مسلحة صغيرة قامت بتعطيل كاميرات المراقبة قبل تنفيذ العملية والانسحاب.
الحدث، في ظاهره واقعة أمنية خطيرة، لكنه في جوهره زلزال سياسي يعكس هشاشة المرحلة الانتقالية التي تعيشها ليبيا منذ 2011. فغياب سيف الإسلام القذافي لا يُقرأ فقط باعتباره نهاية حياة شخصية مثيرة للجدل، بل يُنظر إليه كضربة قاصمة لمشروع سياسي كان يراهن على العودة إلى المشهد عبر بوابة الانتخابات أو التفاهمات الداخلية والخارجية، مستنداً إلى رصيد رمزي لدى فئات اجتماعية ترى في عائلة القذافي جزءاً من “الذاكرة السياسية” للدولة الليبية.
من زاوية موازين القوى، يزيح الاغتيال لاعباً كان قادراً – نظرياً على الأقل – على إعادة ترتيب الاصطفافات داخل البلاد. وجود سيف الإسلام في أي معادلة انتخابية كان يُمثل عامل إرباك للقوى المتصارعة بين الشرق والغرب، ويستدعي استقطاباً حاداً بين أنصار ثورة فبراير وأنصار النظام السابق. ومع غيابه، تجد قوى الأمر الواقع نفسها أمام ساحة أقل تعقيداً من حيث الرمزية، لكنها أكثر هشاشة من حيث الشرعية والتمثيل الشعبي.
غير أن الأثر الأعمق يتمثل في ضرب مسار المصالحة الوطنية الهش. فإقصاء شخصية تمثل، بالنسبة لأنصار النظام السابق، بوابة محتملة للاندماج السياسي، يعمّق شعور التهميش لدى شرائح اجتماعية واسعة، ويُضعف فرص بناء عقد اجتماعي جامع. وفي بلد لا تزال ذاكرته مثقلة بالجراح والانقسامات، فإن منطق “الإزاحة العنيفة” يعيد إنتاج دورة الصراع بدل تفكيكها.
أمنياً، تحمل طريقة تنفيذ العملية رسائل مقلقة حول استمرار هشاشة الدولة وتعدد مراكز القوة المسلحة. اقتحام مقر إقامة شخصية عامة، وتعطيل أنظمة المراقبة، ثم الانسحاب المنظم، يعكس قدرة جماعات مسلحة على فرض منطقها خارج أي إطار قانوني. وهو ما يطرح سؤالاً وجودياً حول جدوى الحديث عن مسار انتخابي في بيئة لا تزال فيها الاغتيالات أداة لتصفية الخصوم السياسيين.
أما على مستوى الاستحقاقات المقبلة، وعلى رأسها أفق انتخابات 2026، فإن غياب سيف الإسلام يعيد رسم خريطة المنافسة السياسية. فبعض الأطراف التي كانت ترى في حضوره تهديداً جدياً لمواقعها ستجد نفسها في موقع أكثر ارتياحاً، بينما يُطرح في المقابل سؤال النزاهة: كيف يمكن الحديث عن انتخابات حرة في مناخ يُقصى فيه لاعبون محتملون عبر الرصاص لا عبر صناديق الاقتراع؟
دولياً، لا يمكن عزل الحدث عن سياق الترتيبات الإقليمية والدولية في ليبيا. فكل تحول كبير في موازين القوى الداخلية غالباً ما يُستثمر خارجياً لإعادة صياغة خرائط النفوذ، تحت عناوين دعم الاستقرار أو حماية العملية السياسية. وفي هذا السياق، قد يتحول اغتيال سيف الإسلام إلى ورقة ضغط جديدة في مفاوضات غير معلنة حول شكل السلطة المقبلة وتركيبتها.
في المحصلة، لا يبدو أن ما دُفن في سرت مجرد جسد، بل صفحة كاملة من محاولة إعادة إدماج أحد رموز الماضي في معادلة المستقبل. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: من نفّذ عملية الاغتيال؟ بل: هل كُتب على ليبيا أن تواصل إدارة انتقالها السياسي بمنطق الإقصاء والعنف، أم أن هذه الصدمة يمكن أن تكون جرس إنذار أخير لإعادة الاعتبار لمسار سياسي قائم على التنافس السلمي والمصالحة الشاملة؟
بين الرصاصة التي أنهت حياة سيف الإسلام، والرصاصة الرمزية التي قد تكون استهدفت فكرة العودة عبر السياسة، تقف ليبيا مرة أخرى أمام مفترق طرق: إما دولة تُبنى عبر المؤسسات وصناديق الاقتراع، أو ساحة تُدار فيها المعارك قبل أن تُفتح صناديق الإقتراع

صحفي متابع للشؤون السياسية في دول الساحل .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى