مقالات

‎كرونا …وسقوط الأقنعة

كتب: د/محمد محمود شمس
‎رئيس مركز إستشارات الجدوى الإقتصادية بجدة

حتى خلال الكساد الإقتصاد العالمى الذى بدأ بإنهيار أسواق الأسهم الأمريكية في الثلاثاء الأسود فى 24 أكتوبر عام 1929 بنسبة 40% وتدهور الناتج الوطنى بنسبة 27% وارتفاع معدل البطالة بنسبة 25% فلم يشهد العالم تخبطا سياسيا واقتصاديا على مستوى كبار الدول التي ‎ ننبهر بتقدمها ونسميها دول صناعية…أو دول متحضرة، ‎وذلك خلال شهور عديدة…
‎فرئيس وزراء إنجلترا يفشل في حماية نفسه وكذلك حماية ولي عهد بريطانيا العظمى من الإصابة بفيروس كرونا فيستسلمان لعزلة منزلية…
‎ أما الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فهو أيضا يتخبط بتصريحات متناقضة تنم عن سطحية سياسية وغياب القدوة القيادية لأكبر دولة اقتصادية وعسكرية في العالم. وبزعمي فإن المؤشرات حتى الآن تدل على أن مصيره وهو جمهوري الحزب سوف لا يختلف عن مصير الرئيس الجمهوري أيضا هيربرت هوفر Herbert Hoover ‎الذى خسر الإنتخابات فى عام 1932 بهزيمة ساحقة أمام الرئيس الديمقراطى.. ‎ فرانكلين روزفلت Franklin Roosevelt
‎وكأن التاريخ يعيد نفسه باحتمال هزيمة الرئيس دونالد ترامب بسبب تهوره وجهله السياسي والاقتصادي كما فعل بهوفر الذى فشل في احتواء الكساد العظيم والذي تعامل.. مع أزمته بفشل تام لمدة ثلاث سنوات…
‎أما المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل فعزلت نفسها في بيتها بسبب فشل قطاعها الصحي المتقدم جدا علميا وفنيا في حمايتها من هجمات ذلك الكائن الضئيل في حجمه الكرونا…
‎أما إيطاليا وإسبانيا فهما في مركب واحد متهالك شق قاعه فأصبح جميع ركابه متعلقين بأشرعة ضعيفة على وشك الانهيار التام….
‎ففيروس كرونا أسقط الأقنعة وقلب جميع الموازين السياسية والاقتصادية رئسا على عقب حتى كبار الاقتصاديين بالبنوك المركزية الكبرى والذين يملكون الذهب والدولار ويتلاعبون بخيوط العرض والطلب فشلوا في إيجاد حلول اقتصادية حتى الآن لوقف الانهيار الاقتصادي المستمر…ففي الأسبوعين الماضيين فقط خسر عشر مليون مواطن أمريكي وظائفهم وتقدموا بطلبات تعويض عن البطالة…أما مدينة نيويورك التي تعتبر أكبر مركز مالي في العالم فتلعب الكرونا ببراعة في حياة مواطنيها…. فيهلك خمس منهم كل ستون دقيقة…
‎ناهيك عن لندن عاصمة الضباب التي يعشقها العرب فهي تنهار تدريجيا أمام الكرونا والبطالة…
‎فهل العالم بصدد ركود اقتصادي أو كساد اقتصادي؟
‎أما الركود الاقتصادي فيعرف بانخفاض في معدل نمو الناتج الوطني لمدة ربعين متتاليين من السنة بمعنى ستة أشهر متتالية….لكن كرونا كان لها تعريف أدق وأكثر عمقا في دفع الركود الاقتصادي ليبرز ‎بأسرع من أقل من ربع سنوي واحد نتيجة الإغلاق السريع لكثير من المؤسسات والشركات وتسريح عمالها وإغلاق بدون استثناء جميع الأنشطة الترفيهية والسياحية التي تشكل مصدرا رئيسا للناتج الوطني في جميع دول العالم…. هذا بجانب عزل السكان الذين يمثلون أهم عامل من عوامل الإنتاج والمحرك الأكبر لجميع الأنشطة الاقتصادية من موظفين وعمال ومزارعين وطلاب مدارس وجامعات وربات بيوت وشمل حتى الحلاقين وسائقي سيارات الأجرة والحافلات والقطارات، وربان الطائرات…
وبناء على ذلك نستطيع القول بأننا لا نتحدث عن ركود اقتصادي عادى بل هي رائحة كساد اقتصادي مرتقب تفوح بقوة في جميع دول العالم قاطبة…والذى بدأت بوادره ‎ تطل من نوافذ البنوك ‎المركزية ووزارات المالية والتجارة والصناعة… وذلك ‎ إذا تفاقم الوضع الحالي ‎ بدون بروز حل فاعل…
‎و السؤال الذى يهم المواطن السعودي: هل نحن محصنين من الوقوع في بئر الكساد الاقتصادي العالمي المظلم والمرتقب؟ الإجابة بكل صراحة بالنفي…
‎بدون مجاملة فليس مثل العين أين، لأن تجاهل ما يجرى حولنا وإغماض أعيننا عنه هو عين الخطأ….و قد قالها خادم الحرمين الشريفين بأننا في أزمة بكل شفافية حتى قبل عدة أسابيع من تفاقمها المستمر، ‎لكن النفى هنا نسبى ويختلف من دولة إلى أخرى….
‎فالحكومة السعودية على دراية ووعي كامل بما يجرى في العالم فإنها تعي بأنه من الضروري جدا تجنب انهيار حاد في سوق الأسهم كما حدث في عام 2006 بالمملكة وحدث في عام 1929 بأمريكا، وخسارة ثروات المساهمين …
‎كما أن الحكومة تدرك أيضا الأهمية القصوى على المحافظة على قوة القطاع البنكي…مع فاعلية السياسة النقدية ‎واستمرار تدفق السيول النقدية بالاقتصاد، وهذا هو أهم ما يمكن وصفه بصدق وأمانة حاليا، فتراقبه الحكومة بدقة، كما ولا تتجاهل الأحداث العالمية مع وضع مواطنيها في الصورة الحقيقية بشفافية تامة….
‎فقامت بضخ 120 مليار ريال مساعدات اقتصادية للقطاع الخاص والأفراد الذين تأثروا سلبيا بالإجراءات الاحترازية القوية لاحتواء فيروس كرونا..
‎ هذا لأن من أسباب الكساد العظيم هو سوء التعامل مع السياسة النقدية بسبب ارتباطها بنظام الذهب المحدود الفاعلية مما أدى إلى إغلاق المئات من البنوك وانخفاض حاد في السيولة النقدية، ‎فالحكومة حريصة على عدم الوقوع في هذا المأزق النقدي…
‎كما أن الحكومة السعودية تدرك أيضا بأنها تملك أوراق أسواق البترول العالمية لما لها من أكبر احتياطي بترولي بالعالم نحو 260 بليون برميل وطاقة إنتاجية بترولية تصل إلى 12 مليون برميل فى اليوم … مما أرغم قيصر الروس على الجلوس مع السعودية وأعضاء منظمة الأوبك على مائدة المفاوضات بعد أن رفضها باستكبار في البداية، ‎إضافة إلى أن الملك سلمان وجه جميع قطاعات الدولة بمراقبة الأسواق التجارية مراقبة حثيثة لتجنب الاحتكار ومن ثم ارتفاع الأسعار…حفاظا على القوة الشرائية لدخول المواطنين من التدهور….
‎ناهيك عن المجهودات الضخمة للقطاعين الأمني والصحي لتطبيق الإجراءات المتعلقة بحماية المواطنين؛ هذا وقد نجحت الحكومة في هذا المجال نجاحا باهرا، وشهدت منظمة الصحة العالمية على ذلك…
‎وهنا يجب أن اتقدم بالشكر الجزيل لمنسوبي هذين القطاعين الرائعين..الأمني والصحي…لما يبذلونه من مجهودات رائعة…في خدمة ‎ هذا الوطن الغالى.
‎هذا ومن الأخبار المبشرة بالخير ‎أيضا أن حكومة خادم الحرمين الشريفين تسخر حاليا علميا وفنيا فريق من العلماء يعملون حاليا على أرض الوطن بسواعد وعقول وطنية مخلصة لإيجاد لقاح vaccines لعلاج المرضى المصابين بفيروس كرونا؛ وبذلك تكون المملكة العربية السعودية على قمة الهرم الطبي العالمي المكلف باكتشاف لقاح لفيروس الكرونا….
‎ولذلك فإن النفى نسبى، ‎ ونسبى جدا….

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى