مقالات

وقفة مع الجدل السخيف حول صحيح البخاري

جبريل لي

إنّ محاولة الهجوم والطّعن والانتقاد الفارغ الأعمى على كتاب‫ (الجامع المسند الصحيح المختصر من أُمور رسول الله صلى الله عليه وسلّم وسننه وأيامه ) الشهير بصحيح البخاري ، لم تكن وليدة اللّحظة ، وإنّما كان صراعا مفتعلا وُلدَ من رُحْمِ الوهم والعبث ، والعزف على العدم منذ زمن قديم، فالشّرذمة الفاقعة من الخوارج، والمعتزلة، والرّوافضة، والذين تاهوا في متاهات الزّندقة والضّلال، هم أوّل من غضّوا بأضراس الحقد والحسد على الصحيح البخاري، لمحاولة مضغه مضغا ، فباءوا كلّهم بالفشل، وضربوا بأيادي الخزي والعار على جدران التّاريخ بؤسا ويأسا .
وفي عصر الحديث قاد المستشرقون هذا الجدل السّخيف في صحيح البخاري، وهم المرجعية الأساسية لكل الطاعنين المعاصرين الذين ما زالوا يرفعون شعارات هذه المعركة الوهميّة، ويأتي على رأسهم المستشرق الطاعن في السُّنة (جولدتسيهر) فقد ألَّف عددا من الكتب المشتمِلة على الطعن في السنة عموما، والصحيحين على وجه الخصوص

هدف هؤلاء العقلانيين الذين أُصيبوا بداء ( سرطان الفكر، في النّظر إلى صحيح البخاري بهذه النظرات الحاقدة هو محاربة الدّين، ومحاولة اغتيال الاسلام ، ثمّ مشاهدة مراسم الدّفن للحضارة الاسلاميّة في مقبرة الليبرالية ( العدوّة اللدودة ) للدّين وللفطرة الانسانيّة ، ومن قرأ تاريخ الاستشراق سيستطيع فهم أنّهم نشبوا (معركة وجوديّة) بين ايدولوجيات ورايات الضلال ، وبين الاسلام منذ طفولة المدرسة الاستشراقيّة، فحينما شعروا أنّ صحيح البخاري قد حاز الرتبة العليا والقبول، حتى اتفقت الأمة على حجيّته وعلو رتبته ، كونه أعلى وثيقة حديثية روت لنا سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنّه كان محط أنظار علماء الحديث في كل عصر ، حتى قال فيه الإمام الجويني ( لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته من قول النبي صلى الله عليه وسلم لما ألزمته الطلاق، ولا حنثته، لإجماع علماء المسلمين على صحتهما)

حاولوا تدمير اعتباره ، واسقاط مرتبته في منظر الأمّة، وخنقه تحت أنفاق الشكوك والهوى ، فكونه أعلى وثيقة مقبولة بين المسلمين جعلت من إسقاط هيبته بوابة لهدم السنة النبوية، وضرب قواعد التّشريع الاسلامي من الجذور ، لأن الطعن في صحيح البخاري يعني بالضرورة الطعن في كتب الحديث الأخرى من باب أولى، وهو تحصيل حاصل،، ومع هدم السنة النبوية يسهل الاستفراد بالقرآن الكريم، إما بتحريف الفهم الصحيح للقرآن جملة وتفصيلا والذي يعتمد على السنة النبوية، أو بالطعن على القرآن الكريم نفسه، وهكذا فإن نظام الإسلام بكامله يختلّ وينهدم! هذه حقيقة خطورة استهداف هدم البخاري من أعداء الملة الحاقدين ، من الليبراليين والحداثيين ، الذين أنفقوا مليارات دولارات ، وفتحوا جامعات عريقة ومراكز بحوث عالميّة ، وجنّدوا عملاء من المفكّرين والعلماء، كلّها لهدف اطفاء أنوار الخير والبرّ والدين في هذا الكون .

نحن لا نقول بعصمة البخاري من الخطأ أبدا، فهو بنفسه يقول أنّه عرض صحيحه على علماء زمانه فوافقوه في كلّ الأحاديث إلاّ في أربعة، والشّافعي يقول (أبى الله أن يتمّ إلاّ كتابه) فحتّى فئة من علماء السّلف تناولوا صحيح البخاري ونقدوه نقدا علميّا منضبطا كابن حزم والدارقطني والشيخ الألباني، ولا واحد منهم نقد منهج البخاري وأسانيده، فقط نقدوا المتن والألفاظ، واستطاع الحافظ ابن حجر العسقلاني الردّ على غالبيّة ما نقده الدارقطني رحمهم الله، المشكلة ليست مع هؤلاء الأخيار الذين وضعوا مناهج علميّة منضبطة في نقدهم للأحاديث، بحسن النيّة وبهدف تنقيح الأخبار الصادرة من الرسول عليه الصلاة والسلام ، المشكلة مع أولئك الذين يخدمون قوى الظلام في محاربة الإسلام وينقدون البخاري بالتقليد الأعمى وترجمة ثورة حقدهم الدّفين على السّنة النبويّة الشّريفة..

على الهامش
———
لم أكتب هذه الشذرات الخجلة، كمتخصّص في علوم الحديث وفي علوم الجرح والتعديل ، وإنّما أكتب ليكون ترياقا وبلسما للجرح النازف والوجع الصارخ داخل قلبي الكسير، منذ أن سمعتُ شيخا مغرورا بعيدا عن ينبوع الخير والنّور، يشتم ويهاجم على الصحيحين ( البخاري ومسلم ) بكلّ كبرياء وبنبرات شيطانيّة مارقة

السّماوي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى