مقالات

وداعا يا “حبري “.. فعسى أن ينصفك التاريخ !!

أ. فاضل غي

كنت من الذين كانوا يرون الرئيس “حسين حبري “دكتاتورا فارا من جحيم الانقلاب الذي أطاح بحكمه لما وصل على متن طائرته إلى السنغال عام 1990 لاجئا ، بعد موافقة الرئيس عبدو جوف على الترحيب به في أرض تيرانغا ، لكن سرعان ما غيرت هذا الموقف بعد لقائي بمجموعة من الطلبة التشاديين في عروس البحر الأحمر جدة ، جمعني بهم مجلس في الفندق الذي كنت أقيم فيه ، وجرى حديث ذو شجون بيني وبينهم لما عرفوا بأني صحفي من السنغال وتركز الحديث على ظروف حكم “حبري ” والحرب التي خاضها ضد نظام ليبيا ، والتي أفرزت عددا من العملاء من مواطنيه الذين كانوا يتجسسون على المعسكر التشادي لصالح المعسكر العدو على حد تعبير أحد الطلبة في تلك الجلسة ، وكيف كان يتحدى فرنسا والمجتمع الغربي ، واتهم أؤلئك الطلبة الرئيس “إدريس ديبي” بأنه هو المسؤول – كقائد أعلى للشرطة في فترة رئاسة “حسين حبري “- عن المجازر والجرائم والقتل والتنكيل “
ومما قالوه لي في تلك الجلسة أن الرئيس حسين حبري يظل أفضل رئيس لتشاد عبر تاريخها.


وكان من حسن حظي بعد عودتي من تلك الرحلة أنني كنت أسكن قريبا من مقر إقامة الرئيس ” حبري ” في حي المدينة قلب العاصمة دكار، وكنت أمر به مصبحا وبالمساء ، وأراقب كيف كان حريصا على أداء صلاة الجمعة في الجامع الكبير بلبسته البيضاء وقبعته التي كانت ترمز إلى افتخاره بانتمائه الإفريقي الإسلامي ،
كما أن السنغاليين جميعا كانوا يلاحظون حضوره المميز في صلاة عيدي الفطر والأضحى من كل عام داخل الجامع وسط شخصيات البلاد ورموزها الدينية والسياسية ، وفي الطليعة رئيس الجمهورية ، لأن الرئيس” حبري ” وصل لاجئا مندمجا في المجتمع السنغالي المسلم ، متواصلا مع الأسر الدينية في بلادنا.
ثم اشترى قطعة أرض بنى عليها دارته في حي “ووكام “
وكان يعيش مع أسرته في استقرار تام ، لم يسجل عليه أي تحرك سياسي أو أعمال تزعج الدولة المضيفة ..لكن الدول الغربية ساعية دائما إلى الانتقام ، حريصة على ملاحقة القادة الذين رفضوا تمرير مخططاتها الإستغلالية وسياساتها التدميرية ، وهكذا قام نظام الرئيس” ديبي ” بالتواطؤ مع مع بعض الدول الأوروبية وعملائها في القارة السمراء لدعوات تسليم “حسين حبري” إلى انجامينا ، أو محاكمته لجرائم القتل والسجن التي ارتكبها ضد أبناء شعبه على حد تعبيرهم ، و كان الرئيس “إدريس ديبي” متحمسا لتحقيق ذلك ، ممولا لكثير من رجالات القضاء والإعلام لترويج فكرة المحاكمة ، وتلطيخ سمعة الرئيس “حبري” الذي حكم تشاد لمدة ثماني سنوات – 1982 – 1990.
إتفق الاتحاد الإفريقي مع دول أوروبية على ضرورة محاكمة من أطلقوا عليه ” الدكتاتور التشادي ” في محاكم السنغال ، وكانت المحاكمة مهزلة ومسرحية كبرى ، رفض الرئيس “حسين ” توكيل أي محام للدفاع عنه ، بينما تشكل عدد هائل من محامي الضحايا الذين توافدوا على السنغال للإستفادة من التعويضات ..ووضع “حبري ” لنفسه إستراتيجية عدم الرد أو الكلام ، بل ظل أبكم طيلة أيام المحاكمة ، وانتهت المحاكمة كما كان متوقعا بإدانة هذا الرئيس الصامد الذي عرف الكثير ، لكنه أدرك أن أي حديث أو رد لا يفيد ، فتوكل على الله، مفضلا السكوت على التهم الكثيرة الموجهة إليه في حيثيات الحكم . وحكم عليه أخيرا بالسجن المؤبد ، وكل ما عاشه في زنزانته من العذاب والمرض والمعاناة.
وللمرء الحق في طرح التساؤلات الآتية :
لماذا يخضع رؤساء وقادة الدول الإفريقية لإرادة الغرب في ملاحقة ومحاكمة حكام القارة بطريقة الكيل بمكيالين ؟
لماذا لم يحاكموا الرئيس “نيكولا ساركوزي” الذي دمر ليبيا وأشرف على قتل الرئيس القذافي ، ومن جراء أحداث ليبيا تلك انتشرت الفوضى والإرهاب والخطف والقتل في شمال مالي حتى اليوم ؟
هل تجرأ أي رئيس أوروبي على الدعوة إلى ملاحقة الرئيس “جورج بوش” ووزير خارجيته “باوول ” الذي اتهم العراق بادخار أسحلة الدمار الشامل هذه الكذبة التي أدت إلى تدمير دولة في حجم العراق والقضاء على رئيسها وأبرز القيادات العراقية آنذاك ؟
لماذا لم يلاحق “إريين شارون” ولم يحاكم بعد مجزرة صبرا وشاتيلا ..؟ ولماذا هذا السكوت الدائم على ما تقوم به الآلة العسكرية الإسرائيلية من الهمجية ضد أبناء الشعب الفلسطيني الأعزل ؟
هذه أسئلة أترك معاشر القراء إجاباتها ،
أما أنا فأدعو المولى عز وجل أن يتغمد حسين حبري بواسع رحمته ويدخله فسيح جناته، ونعزي أسرته ومحبيبه من أبناء شعبه ، كما نعزي جميع الذين تضامنوا وتعاطفوا معه في محنته قبل و أثناء مرضه ووفاته .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى