أخبار

واقع التعليم العربي وتحدياته في السنغال

بقلم/محمد علواني سليمان

«إن اللغة هي صورة وجود الأمة بأفكارها ومعانيها وحقائق نفوسها وجودًا متميزًا قائمًا بخصائصه؛ فهي قومية الفكر، تتحد بها الأمة في صور التفكير وأساليب أخذ المعنى من المادة، والدقة في تركيب اللغة دليل على دقة الملكات في أهلها، وعمقها هو عمق الروح ودليل الحس على ميل الأمة إلى التفكير والبحث في الأسباب والعلل، وكثرة مشتقاتها برهان على نزعة الحرية وطموحها؛ فإن روح الاستعباد ضيق لا يتسع، ودأبه لزوم الكلمة والكلمات القليلة…….
وما ذلت لغة شعب الا ذل، وما انحطت الا كان أمره في ذهاب وإدبار، ومن هنا يفرض الأجنبي المستعمر لغته فرضاً علي الأمة المستعمرة، ويركبهم بها، ويشعرهم عظمته فيها، ويستلحقهم من ناحيتها، فيحكم عليهم أحكاماً ثلاثة في عمل واحد:
أما الأول فحبس لغتهم في لغته سجناً مؤبداً
وأما الثاني فالحكم علي ماضيهم بالقتل محواً ونسياناً
وأما الثالث فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يصنعها، فأمرهم من بعدها لأمره تبع…….»

بهذه الكلمات الموجزة البليغة يلخص الأديب مصطفي صادق الرافعي في كتابه:«من وحي القلم» أهمية حفاظ الأمة علي لغتها، وخطورة إهمالها،والعلة من وراء الحرب المستعرة التي يشنها المستعمر وأذنابه عليها في أي بلد تطأها أقدامه، والغاية التي من أجلها يحرص علي إكساب أهلها لغته؛فقد ضمن بذلك عزلهم عن أمتهم، وربطهم به،واعتمادهم عليه، بتجهيلهم بتاريخهم،وإعادة تشكيل مفاهيمهم وبناء تصوراتهم، وصبغهم بصبغته، وتشربهم لثقافته، بما يضمن ولاءهم الدائم له، وبما يحقق أهدافه، ويرعي مصالحه، ويخدم أطماعه….
ولغتنا القومية_ نحن المسلمين _هي اللغة العرببة، وهي في وجدان المسلم ليست مجرد وعاء ثقافي وحضاري للأمة فحسب، بل هي أكبر من ذلك بكثير ، فهي حصن الدين المنيع، يقوي الدين بقوتها، ويضعف بضعفها، تعلمها قربة إلي الله، وطلبها واجب لفهم مراد الله؛ فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والتحدث بها شعيرة من شعائر الدين، هي لغة أقدس كتاب، ومعجزة أفضل رسول، ولسان أرشد أمة، ولأن الإسلام رسالة عالمية تخاطب كل الأمم والأجناس علي مر العصور والأزمان، لذلك اختار الله من بين اللغات أعظمها قدرة علي بيان مراده؛ فحازت العربية هذا الشرف لخصائصها التي تفردت بها بين غيرها من اللغات، ولو كانت هناك لغة أفضل منها لاختارها الله لتكون لغة كتابه إلي الناس، فيا ليت القائمين علي التعليم العربي في كل بلاد المسلمين يغرسون هذه المعاني في قلوب أبناء الأمة ليعلموا كم من الفضل والشرف يحوذون بتعلم اللغة العربية؛ لغة الإسلام!

ولقد وعي المخلصون من أهل السنغال ذلك منذ أن أشرقت عليهم شمس الإسلام، فجدوا في طلب العربية ونشرها،وضربوا في ذلك أروع الأمثلة التي تبرز عمق فهمهم،ومدي تعطشهم لفهم دينهم،فأرسلوا أبناءهم إلي بلاد العرب في طلبها في رحلات مثيرة علي ظهور الخيل والإبل، ومن قصرت به إمكاناته أن يجد ظهراً يحمله كان يخرج سيراً علي قدميه ليقطع المسافة بين السنغال وأراضي الحجاز مثلاً في بحر سبع أو ثمان سنوات، مستعذباً كل ما يلاقيه في طلبها من متاعب، متحملاً المشاق والمصاعب، حباً لدينه، وقياماً بالواجب، واضطلاعاً بالمسؤولية، وحفاظاً علي الأمانة التي ائتمه الله عليها : أمانة الدين!!!!!!!

مراحل التعليم العربي في السنغال
ولقد مر التعليم العربي في السنغال بمراحل ثلاث، ومن الأهمية بمكان أن نمر عليها سريعاً، لنقف علي مدي الجهد الذي بذله وما زال يبذلهالمخلصون من أبناء هذا البلد في سبيل الارتقاء به، ولنقف كذلك علي حجم وكم المشاكل والعراقيل التي وضعها المستعمر ويضعها أذنابه في طريق القائمين عليه حتي لا يتعدي الحد الذي يسمحون به،ليظل هكذا: جسداً لا روح فيه،ومظهراً لا خوف منه:

المرحلة الأولي: مرحلة ما قبل الاستعمار:

ولقد تميزت هذه المرحلة علي نحو ما ذكرنا بالجد والاجتهاد في طلب العربية والعلم الشرعي ، فكان السفر والترحال ما بين بلاد العرب من أجل ذلك سمة مميزة لهذه المرحلة،فقصدوا أرض الحجاز،ومصر،والمغرب،وموريتانيا وغيرها من البلاد،وظل الأمر هكذا حتي تكون من بين هؤلاء الطلاب كفاءات قادرة علي التدريس في السنغال، وتوريث ما تعلمته إلي غيرها، فأُنشئت المركز العلمية المتمثلة في المساجد والدارات(الكتاتيب) ومجالس الشيوخ، وكان الهدف الأول لهذه المراكز تعليم الطلاب مباديء القراءة والكتابة باللغة العربية ثم تحفيظهم القرآن الكريم ، وبعد أن يتم الطالب حفظ القرآن لا يسمح له بالتدريس لغيره إلا بعد أن يأخذ منهجاً مكملاً عليه أن يحصله حتي يفهم القرآن، ومن الجميل أن نذكر بعض مواد هذا المنهج لندرك مدي الجدية التي كانت تتميز بها هذه المراكز علي قلة إمكاناتها وضعف مواردها، ولكنه حب الله ورسوله الذي يفجر الطاقات ويصنع المعجزات!!!….فكانت مواد هذا المنهج التكميلي علي النحو الآتي:

١ −التوحيد: وكانوا يكتفون بمقدمات كتب الفقه التي ً غالبا ماُ تفتتح بمسائل التوحيد، ثم يقرأون السنوسية في العقيدة الأشعرية الكلابية.
2 −الفقه: كانوا يدرسون متن الأخضري، والعشـماوية، وابـن العـاشر، والمقدمـة العزيـة، ثـم الرسالة للقيرواني، فمختصر خليل بن إسحاق, وكلها في فروع مذهب الإمام مالك.
3 −أصول الفقه: كانوا يدرسون متن الورقات للجويني غالبا.

4−الحديث :كانوا يقرأون الجامع الصغير للسيوطي.
5−النحو: يبدأون بالآجرومية لابن آجروم الصنهاجي, ثم ملحة الإعراب للحريري, ثم المقدمة ُ الكُكِّية ل”مور قُجَّه كُمبه جوب» السنغالي الكُكِّي، ثم الألفية لابن مالك الأندلسي أو الاحمرار لمختار بن بونه الشنقيطي
6−الصرف: يقرأون كتاب التصريف لأبي أديح الموريتاني, ثم لامية الأفعال لابـن مالـك، شرح ابنه بدرالدين.
7−اللغة والأدب: يدرسون لامية العرب, ولامية العجم للغفرائي، وبانت سعادلكعب بن زهير ثـم مقصـورة ابـن دريـد الأزدي، والقصـيدة الداليـة لأبي الحسـن اليـوسي، والقصـيدة الشمقمقية لأحمد بن الونان، ثم مقامات الحريـري، ثـم المعلقـات السـبع، وقـد يتخلـل ذلـك قصيدة البردة والهمزية للبوصيري في مدح النبي صلى الله عليه و آله و سلم.
8 −البلاغة:كانوا يدرسون الجوهرالمكنون للأخضري.
9 −العروض والقوافي: كانوا يدرسون الشـافية في العـروض والقافيـة للخزرجـي، ثـم سراج الطالـب للمساري ثم ِّمبين الإشكال للقاضي مجختي َكَله السنغالي
10 −المنطق: كانوا يدرسون السلم المنورق للأخضري.
11 −التصوف : يقـرأون كتـب الغـزالي، وابـن عطـاء الله السـكندري، وبعـض مؤلفـات الشاذلية والقادرية.
12−وفي النهاية يعكف الطالب على تفسير القرآن على شيخه، وغالبـا مـا يتخـذون تفسـير الجلالين كمرجع، ثم يطلق عليه بعد هذه الجولة لقب ((التفسير)) فيقال له: التفسير فلان!!!!!!!

واستمر هذا الوضع قائماً دون معوقات تهدد كيان السنغال الثقـافي ووجودها الحضاري إلى أن جاء المستعمر، فحول هذه المناهج لما يخدم أطماعه،ويحقق مصالحه ، ورسم أهدافه المرحلية والبعيدة, ووضع الوسائل الكفيلة بتحقيق تلـك الأهـداف لتبدأ مرحلة جديدة….

المرحلة الثانية: مرحلة الاستعمار:
لقد أتي المستعمر الفرنسي إلي هذه البلاد وأمامه عدة أهداف يسعي جاهداً لتحقيقها، وما كان ليحققها بدون إرساء قواعد التعليم الفرنسي في هذه البلاد بديلاً عن التعليم العربي، فالتعليم البديل أفضل وسيلة تستخدم من أجل التغيير الحضاري في أمة من الأمم، ولقد كانت أهدافه الاستعمارية علي النحو الآتي:
1 −إيجاد ظروف مناسبة لتنصير الشعب السنغالي
2 −علمنة التعليم العربي في السنغال
3 −فرض ثقافته وتقاليده علي الشعب السنغالي وسلخه من هُويته
4 −إيجاد أسواق استهلاكية لإنتاجه الوافر بعد نهضته الصناعية التي أحلت الآلة محل العضلات
5 −استغلال موارد السنغال الاقتصادية في دعم البنية التحتية لفرنسا
6 −استعباد أبناء الشعب السنغالي واستخدامهم في البناء الحضاري والاقتصادي لفرنسا
وبناء على هذا المشروع الكبير،فقد وضع المستعمر استراتيجيته في التعليم التي تحقق أهدافه، فأصدر “فيدرب” الحاكم العام لمستعمرات غرب إفريقيا وعاصمتها مدينة سانت لويس بالسنغال قـراره الذي جاء فيه:
( نحن الحاكم في السنغال وكل من يعملون معي باسم فرنسا نعلم أن أكبر شيء يجـب علينا أن نسيطر عليه هو تربية أولاد المسلمين في البلدان المسـتعمرة، بالإضـافة إلى أن الحكومـة الفرنسية التي تهتم بشئون البنية العائلية والأسرية لا يمكن أن تبقى مكتوفة الأيدي أمـام تربيـة أبناء المسلمين على هذا النحو )
ثم أصدر قانونه الشهير والذي كانت بنوده علي النحو الآتي:
1−لا يسمح لأحد بإلقاء دروس إلا بعد الحصول على رخصة موقعة من الحاكم العام.
2 −كل من يريد فتح مدرسة عربية عليه أن يجتاز امتحاناً أمام لجنة يرأسها عمدة البلدية.
3−يتحتم على معلمي العربية المرخصين أن يصطحبوا تلاميـذهم البـالغين مـن العمـر اثنتي عشرة سنة إلى مدرسة فرنسية مسائية.
4−هذه المدارس الإسلامية قابلة للإغلاق في أي لحظة إذا رأي ذلـك الحـاكم العـام أو مديرالشئون الداخلية.
5 −لا يسمح بقبول مزيد من التلاميذ في المدارس
الإسلامية إذا كانت أعمارهـم تـتراوح بين (6−15)سنة في أوقات الدوام في المدارس الفرنسية.
6−كل من يخالف ً بنداً من هذه البنود سيحاكم ويطبق عليه أقصى العقوبـات المـذكورة في القانون الصادر بتاريخ 1845/4/26 م!!!!!!!!

كانت هذه هي السياسة التي سلكها المستعمر تجاه التعليم العربي بهدف تطويق المد الإسلامي، والتي وان كانت قد حققت نجاحاً في المدن،إلا أنها قد باءت بالفشل الذريع في القري النائية ، حيـث لجـأ المعلمون هناك إلى إقامة الكتاتيب داخـل بيوتهم، والتخفي عن أعين المستعمر الذي يلاحقهم، حتي استطاعوا أن يخرَّجوا ً جيلاً من حفظة القرآن الكـريم وحملـة الثقافـة الإسلامية رغم أنف المستعمر، بل وأحجم السنغاليون عن إدخال أولادهم المدارس الفرنسية قبل أن يتموا دراستهم في المدارس القرآنية، حتي صارت المدارس الفرنسية النظامية في السنغال تعاني من قلة عدد التلاميذ، مما حدا بالمستعمر أن يغير سياسته ليسلك درب الترغيب بدل الترهيب، فرفع يده قليلاً عن أصحاب المدارس القرآنية، وقدم لبعضهم معونة مالية دورية وخاصة كل صاحب مدرسة يقرر تعليم اللغة الفرنسية لطلابه لمدة ساعتين يومياً، مع تكريمه بمنحه أوسمة من مختلف درجات التشريف والتقدير، كما قام بتدعيم المدارس الفرنسية ببعض الامتيازات كتقديم وجبات غذائية، وكتب وملابس، وأدوات مدرسية، وخدمات اجتماعية، ورعاية صحية ليزيد الإقبال عليها.

وهكذا كانت هذه المرحلة مرحلة شد وجذب وتكسير عظام بين مستعمر يريد فرض ثقافته، وشعب يتشبث بهُويته حتي أرهق المستعمر، واضطره الي تغيير فكره الاستعماري ليرحل عن البلاد مخلفاً وراءه من أبناء الشعب السنغالي من رباهم علي مبادئه، وأشربهم ثقافته، ويدينون له بالولاء والطاعة، لينوبوا عنه في استكمال مسيرته، وتحقيق أهدافه، ورعاية مصالحه، لتبدأ مرحلة جديدة من مراحل التعليم العربي في السنغال…..

المرحلة الثالثة: مرحلة ما بعد الاستقلال:

وتبدأ هذه المرحلة سنة ١٩٦٠ م بتولي ليوبور سيدار سنغور أحد من ربتهم فرنسا وأعدتهم لاستكمال تحقيق أهدافها الاستعمارية في السنغال زمام الحكم، ولقد تم ذلك بدعم من السلطات الفرنسية والكنيسة الكاثيوليكية التي ربته وحولته من الوثنية إلي المسيحية لأداء مهمة عبر عنها بنفسه عندما طلب منه البابا أثناء زيارته للڤاتيكان أن يقوم بتنصير شعبه فقال له سنغور: « إنني لا أستطيع تحويل السنغاليين عن الإسلام إلي المسيحية، ولكني أستطيع أن أجعلهم مسلمين لا يغارون علي دينهم»…..
ولقد كان سنغور يخاف من النفوذ الإسلامي مكانة اللغة العربية في المجتمع السنغالي، فاتخذ سلسلة من الإجراءات لصرف الناس عن تعلم العربية ومن ذلك:
١_ إيقاف الدعم المالي الذي كانت تقدمه الإدارة الاستعمارية للمدارس القرآنية العربية، وخصص هذا الدعم لصالح المدارس الخاصة العلمانية والتابعة للكنيسة.
٢شجع الفوضي في البلاد بالعمل علي نشر الثقافة الزنجية الفلكلورية القديمة والتي من مظاهرها تعليم الشبان والشابات الرقص والغناء والمصارعة وغيرها من أنواع اللهو واللعب تضليلاً للشباب وإشغالاً لهم عن العمل النافع للمجتمع. ٣ـ جعل تعليم اللغة العربية خارج الأوقات الرسمية وبدون تقييم للدارسين، ومنع مدرسي اللغة العربية من تعليم كل ما يتعلق بالدين الإسلامي حتي ولو كتابة البسملة علي السبورة، فقد كان ذلك أمراً ممنوعاً منعاً باتاً!!! ٥ أوقف إرسال البعثات إلي الدول العربية لتكوين معلمي اللغة العربية.
٦_اتخذ قرار يمنع الطالب من الخروج إلي العالم العربي بدون منحة دراسية إلا إذا تعهد بالتوقيع علي وثيقة يتنازل بها عن حقوقه الوطنية كي يحصل علي جواز سفر يسمح له بالخروج.

_ولقد بلغ عدد المدارس العربية الخاصة في عهد سنغور أربع مدارس بينها ثلاثة معترف بها، ويقابلها ٦٦ مدرسة علمانية و ٨٦ مدرسة كاثيوليكية!!!!

_ويخلف عبدُ جوف سنغور في حكم البلاد سنة ١٩٨٠م، ولم تكن سياسته إلا امتداداً لسياسة سلفه، ولكن لكونه أول رئيس مسلم بعد الاستقلال فقد لاحقته مطالبات شعبية بضرورة إعادة النظر في التعليم العربي من حيث البرامج والمناهج والوسائل التعليمية وطرق التدريس وغيرها، واضطر عبد جوف أمام هذه المطالبات إلي تخفيف كثير من القيود المفروضة علي التعليم العربي حيث تمت الموافقة علي إدخال اللغة العربية في الساعات الرسمية بقرار يحمل رقم ٦٢٤ بتاريخ ٢٤ يونيو ١٩٨١م، ولقد تحقق في عهده تقدم ملحوظ في التعليم العربي مقارنة بسابقه سنغور ، ومن ذلك: إنشاء أقسام عربية في مراكز التكوين والتحسين البداغوجي في داكار وتايس وكذلك في مركز تكوين المعلمين الذين يعملون في المرحلة الابتدائية….

هذا وقد بلغ عدد المدارس العربية الخاصة في عهد عبد جوف ٩٣ مدرسة بينها ٢٩ مدرسة معترف بها، ويقابلها ٧٣٧ مدرسة علمانية و ٧٦ مدرسة كاثيوليكي!!!!!

ويخلف عبد الله واد سلفه جوف سنة ٢٠٠٠م،و تحت الضغط الشعبي حدثت في عهده طفرة في التعليم العربي كان من معالمها: ١ إدخال التعليم الديني في المدارس العمومية
٢_ التوسع في إنشاء مراكز التكوين لحملة الثقافة العربية والإسلامية في مناطق متعددة في البلاد
٣ـ زيادة عدد مفتشي اللغة العربية في المدارس
الابتدائية من ١٩ مفتشاً إلي ٤٥٠ مفتشاً في عام ٢٠١١م
٤_ حصول وزارة التربية والتعليم علي منهج تعليمي يعتمد عليه المدرس العربي في مهمته.
٥صدق البرلمان علي مشروع قرار بإدراج مادة التربية الدينية في النظام الرسمي إلي جانب تعليم اللغة العربية. ٦ تنفيذ مشروع افتتاح كتاتيب قرآنية حديثة في كل الأقاليم مع إنشاء مفتشية تشرف علي هذه المؤسسات وتراقب سير العمل فيها ويعرف بمشروع الدعم لسياسة تحديث المدارس القرآنية.
٧_ زيادة عدد القضاة الشرعيين في المحاكم، حيث كانوا أربعة قضاة في عهد سنغور، وخمسة في عهد عبد جوف ، ووصلوا إلي ثلاثين قاض في عهد عبد الله واد، وكلهم من حملة الثقافة العربية والإسلامية.
٨_ بدأت الصحافة الناطقة بالعربية تستفيد من الدعم المالي المخصص للصحف سنوياً، فكانت مجلة الوحدة الإسلامية أول صحيفة ناطقة بالعربية تستفيد من هذا الدعم.

هذا ولقد بلغ عدد المدارس العربية الخاصة في عهد الرئيس عبد الله واد ١٤٢ مدرسة بينها ١٦ مدرسة معترف بها، ويقابلها ٢٤٢ مدرسة علمانية و ١٢ مدرسة كاثيوليكية.

_ويخلف ماكي صال سلفه عبد الله واد في حكم البلاد سنة ٢٠١٢م وحتي الآن
ولعل من أبرز ما تم في عهد ماكي صال هو ذلك الإنفتاح الرسمي علي التعليم العربي، وذلك عندما أعلن وزير التعليم العالي ماري توي أنيان: أن شعبة اللغة العربية ستكون من شعب امتحانات الثانوية العامة، وكان ذلك في عام ٢٠١٣م، وبذلك فقد أصبح من حق الطلاب الدارسين باللغة العربية الالتحاق بجامعات السنغال الحكومية، وكذلك الالتحاق بجامعات الدول التي يوجد تنسيق بينها وبين السنغال في مجال التعليم ، وجاءت هذه الخطوة استجابة لواقع قائم، ومؤشراً على التوجه الرسمي الإيجابي الجديد في التعاطي مع قضايا التعليم العربي والإسلامي في السنغال، وهي كذلك تتويج لجهود كبيرة بذلت منذ عقود لاستعادة موقع الصدارة الذي كان يتبوأها التعليم العربي قبل مجيء الاستعمار……

إشكالات التعليم العربي في السنغال

ومن العرض السابق علنا لمسنا مدي ما يعترض مسيرة التعليم العربي في السنغال من معوقات، ومدي ما يعانيه من تضييقات، ومدي ما تعانيه مؤسساته من تهميش متعمد، ولعلنا لمسنا أيضاً مدي ما يبذله المؤمنون برسالته من جهد في سبيل الارتقاء به، والتوسع فيه، وتثبيت أقدامه، وفرضه علي الساحة السنغالية فرضاً، حتي اضطر من يعادونه إلي التعامل معه كأمر واقع….وتتمة لهذه الجهود المباركة ، ولاستكمال مسيرة الإصلاح، فيجدر بنا أن نرصد بعض إشكالاته، وأن نضع أيدينا علي بعض أدوائه، وأن نحدد بدقة أهم تحدياته،حتي نستطيع تقديم العلاج المناسب الذي يسرع في تعافيه، ويأخذ بيده ويقويه،ليحقق رسالته التي نؤمن بها، والتي تستحق أن نضحي بالرخيص والغالي في سبيل تحقيقها؛ فيصيغ المواطن السنغالي الصالح الذي يصلح الدنيا بالدين “فالتشخيص يا سادة نصف العلاج”…. ولعل أهم إشكالاته كما لمستها من خلال ممارستي للتدريس في مدارس السنغال تتمثل في الآتي:

١_ ضبابية الرؤية
ونقصد بها عدم وجود استراتيجية واضحة للتعليم العربي لدي القائمين عليه والمتمثلة في وضوح الأهداف، وتحديد الوسائل، وسبل توفيرها، وتوصيف المُخرَج التعليمي ، وتوجيهه لسد حاجات المجتمع المختلفة.
٢_ ضعف البعد التربوي في العملية التعليمية، فالأمر علي الأغلب لا يتعدي التلقين.

٣_ المناهج التعليمية غير موحدة، فما يُدرَّس في المدارس الحكومية يختلف عما يُدرَّس في المدارس الحرة، وكل مدرسة من هذه المدارس تقترح لنفسها منهجاً يخصها ويناسب توجه القائمين عليها، وكل معلم ينتقي من المقترح ما يُدَرِّسه علي نحو ما يستوعبه ويستطيع إيصاله لطلابه، والطالب يكتفي بما يمليه عليه المعلم، فلا يتوفر بين يديه كتاب للمادة يرجع إليه، ولذا فالعشوائية سمة من سمات المناهج التعليمية في المدارس العربية بالسنغال.
٤_ غياب المعلم المؤهل للقيام بالعملية التعليمية تربوياً وثقافياً وفنياً، وهذا الجانب من الأهمية بمكان، فالمعلم هو حجر الزاوية في العملية التعليمية.
٥_ غياب الوسائل التعليمية المصاحبة ، فالأمر في هذه المدارس لا يتعدي السبورة والطباشير، وحتي الكتاب غائب عن هذه المدارس.
٦الضعف الشديد للبنية التحتية لهذه المدارس، فمعظمها تم بناؤه بالجهود الذاتية، والمكان المناسب في العملية التعليمية لا يقل أهمية عن غيره من عناصرها. ٧ ضعف المراقبة والتوجيه علي العملية التعليمية في هذه المدارس، فالأمر علي الأغلب موكول إلي ضمير المعلم وكفاءته، وهذا بالطبع له الأثر البالغ علي جودة المُخرَج التعليمي.

تحديات التعليم العربي بالسنغال
وبعد هذا العرض لبعض إشكالات التعليم العربي بالسنغال فحري بالقائمين عليه مع البحث عن حلول لهذه الإشكالات أن يضعوا استراتيحية واضحة لهذه التحديات والمتمثلة في الآتي:

١_ محدودية العدد الذي تستوعبه الجامعات الحكومية من الحاصلين علي البكالوريا العربية، فحق كل خريج أن يجد لنفسه مكاناً له في الجامعة، وخريجو المدارس العربية لا يسمح لهم إلا بالالتحاق بالقسم العربي في جامعة أنتا جوب، وهو بالتأكيد لن يستوعب إلا عدداً محدوداً من المتقدمين إليه، أما باقي العلوم الإنسانية الأخري والتي تناسب دراستهم فهم محرومون منها لأنها تدرس بالفرنسية، ولذا فيجب دراسة سبل التصدي لهذا التحدي، ومن هذه السبل الاهتمام برفع مستوي الطلاب في اللغة الفرنسية إلي الحد الذي يؤهلهم لمواصلة الدراسة في هذه التخصصات التي تحتاجها البيئة السنغالية، فالعلوم الإنسانية من أهم عوامل نهضة الأمم وخاصة ان توجه إلي دراستها هذه النوعية من الطلاب الذين تربوا في المدارس العربية….
٢_ عدم الاعتراف الحكومي بالجامعات الأهلية،فالحاصلون علي البكالوريا العربية الذين لم يجدوا مكاناً في الجامعات الحكوميةوما أكثرهم يتوجهون إلي جامعات أهلية أسستها هيئات ودول لنشر العلوم الإسلامية كجامعة بير ، والكلية الإفريقية، وكلية الإعمار، وجامعة أحمد بمب، وجامعة طوبة، وجامعة جوربيل وغيرها، وطلاب هذه الجامعات لا يتلقون الرعاية المطلوبه كنظرائهم في الجامعات الحكومية، وخريجوها لا يحصلون علي حقهم في التوظيف كغيرهم، ولذا فالسعي في هذا الاتجاه من الأهمية بمكان تعزيزاً لوضع الجامعة وخريجيها.
٣_ الاقتصار علي دراسة المواد الأدبية دون العلمية في المدارس العربية، فشهادتها كما تعتبرها الحكومة السنغالية شهادة أدبية، ولذا فحاملوها غير مسموح لهم بالتخصص في دراسة العلوم الكونية كالطب والهندسة والصيدلة وغيرها، ولا يوجد أمامهم بعد التخرج باب للتوظيف ان وجدوه غير باب تدريس العربية، ولعل هذا يمثل تحدياً كبيراً أمام القائمين علي التعليم العربي، ومن الأهمية بمكان أن ننصح القائمين عليه بضرورة تدريس المواد العلمية بجانب العلوم الشرعية والإنسانية ، فهذا يساهم كثيراً في بناء عقلية الطالب ويعينه كثيراً علي فهم دينه وواقعه.

وبعد، فلقد كانت هذه محاولة لإلقاء الضوء علي معالم التعليم العربي في السنغال وبعض إشكالاته وتحدياته، تنبيهاً للغافل، ومعونة للعاقل، وأظن أن العاملين في الحقل التعليمي من أبنائه عندهم فوق ذلك الكثير، والله أسأل أن يعينهم علي حمل الأمانة كما ينبغي، وأن يوفقهم لما فيه الخير للإسلام والمسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. السلام عليكم، ما قاله مالك مبي صحيح لأن المفتشين المستعربين لم يبلغ حتى الآن مائتين.إذن ماكتبه صاحب المقالة غير صحيح.
    وادعوه إلى التوثيق الجيد قبل الكتابة
    محمد الأمين جوب

    1. السلام عليكم يا سادة، بوركتم وبورك حرصكم علي التوثيق،
      أما المصدر فهو كتاب: التاريخ السياسي للاسلام في السنغال لعبد الكريم سار ص ١٢٠
      ولنتفق علي أننا في أزمة، فلا تشغلنا الأرقام عن جوهر الموضوع الذي نتحدث فيه وهو: أن التعليم العربي في السنغال في أزمة تبحث عن حلول… بوركتم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى