مقالات

وإن كان سنغور على حق!!!

بقلم/ بروفيسور محمد غالاي انجاي/ بروكسل


لا ريبة في أن من الأحداث التاريخية ما يعترف العقل إزاءها بالعجز التام عن استيعابها بالكلية، ولكن لا يعني ذلك أنه يجب إغفال بعضها والإعراض عنه كلية دون أن يستوقف المثقفون هذه الأحداث التي عايشوها وجرت أمام أُمِّ عُيونهم ريثما يتنفسون الصُّعداء ويطيلون خلالها النفس بغية تقديرها كما ينبغي، وبالتالي ينتدبون أنفسهم لتحليلها علميا بوصفها حدثا عارضا وليس كظاهرة اجتماعية. والحق أن الداعي الأساسي إلى استوقاف مثل هذه الأحداث العارضة لمعالجتها وسبر أغوارها هو إمكانية تكررها مرات ومرات في الساحة السنغالية لمن له أدنى معرفة وإلمام بالتجارب السنغالية التي تعايشتها السلطات الحاكمة مع البيوتات الدينية، أو رجال السياسة مع رجال الدين، أو الحكام الزمنيين مع الطرق الصوفية الروحية.
ابتداء، قد يتساءل المرء، ما هذه الأحداث؟ وما الذي يكمن وراءها؟ ولماذا يجب أن نقف عليها؟ إنها السيناريو الكئيب في يوم عبوس على الشعب السنغالي، استهله فخامة رئيس جمهورية السنغال السيد ماكي صال حين ظهر على شاشات التليفزيون يوم السبت 14 مارس 2020 مساء، وأعلن رسميا بإيقاف كل النشاطات المدرسية، وكل المناسبات والفعاليات الاحتفالية المرتبطة بالدين أو العادة، في سائر مساحة أراضيها، …الخ.، وذلك بموجب اختراق وباء “الكورونا” اللئيم الحدود السنغالية. إنه فعلا سيناريو مخيق ومرهب على الشعوب الواعية التي تدرك مغباته الوخيمة على اقتصادها وما يمكن أن يُولِّده من أزمات في سائر مناحي الحياة. لقد رأينا – بالفعل – بأم أعيننا عواقبه في بعض الدول الأوربية كيف أحدث فيها حالة من الهلع والفزع، تراهم مبكرين على بكرة أبيهم في هرج ومرج يركضون بحثا عن السوبرماركات لكي يملؤوا خزائنهم وكهوفهم إداما وأغذية ليقتاتوا بها زهاء شهر أو يزيد. ولكن العجب العجاب أننا ألفينا كيف استحوذت على أدمغة بعض المواطنين السنغاليين، ممن ينتمون إلى الطرق الصوفية، العاطفة الإيمانية التهورية مكان العقلانية الإيمانية المتزنة. لقد لجأوا إلى البحث عن حتفهم بأظلافهم دونما وعي منهم، ذلك حين عزموا جادين على حضور المناسبات الدينية مهما كلفهم الثمن، على الرغم من صدور إعلان رسمي بحظرها!! لا شك أن هذا المشهد المخيف من زاوية، والمحزن من زاوية أخرى، هو الذي استوقفني لأقف إزاءه خائفا وحزينا لا على الحدث العارض ذاته، وإنما على ذهنية وعقلية بعض بني جلدتي تجاهه!! الأمر الذي دفعني إلى النبش في ذاكرتي بحثا وتنقيبا عن مقولة طالما أزعجتني بصفتي أفريقيا، هي مقولة الرئيس الشاعر التي تنص على ما يلي: “العاطفة زنجية، والعقلانية هيلينية [إغريقية]” مُنوِّها إلى أن العقل الأفريقي تغلب عليه العاطفة بخلاف العقل الإغريقي الأوربي الذي يمتاز بالعقلانية. وكدت أن أصدق بها لما شاهدته في هذين اليومين من دناءة الفكر وانعدام الوعي وحالات الفوضى الإعلامية، واستحواذ العاطفة في مجالات الدين والحياة على بعض المنتمين إلى الطرق الصوفية. وهذه السلوكيات لا شك أنها تنبه الوسنان وتجعل المثقف الواعي حائرا وقلقا إزاءها. والحق أن هالات الحيرة والقلق التي داهمتني وأنا أتابع الأحداث سرعان ما أزيح ستارها حين رجعت قهقرى بذاكرتي فانقدح في داخليتي تلك العقول الضخام التي أنارت العقل السنغالي وأيقظته من وهدة الجمود وبراثن الخمول والتبجح، من أمثال القاضي النِّحرير عُمر فال مؤسس جامعة «بِـيرْ Pire» الإسلامية الشهيرة فيما بين (1603-1864م)، والتي تـخرجت فيها كتيبة من أجلة الأعلام بتخصصات مـختلفة. كذلك القادة الكبار الذين أضرموا ثورة تاريخية نادرة من نوعها في فُوتَا تُورُ على يد الزعيمين سليمان بَالْ (ت. حوالي 1776م) والقاضي عبد القادر كَانْ (ت 1807م) التي أطاحت بنظام الاستبداد، وأقامت على أنقاضه أول حكومة «ثــيــوقــراطـيـة» اتـخذت من الشريعة الإسلامية دستورا في الـحياة ونظاما في الـحكم، وذلك في الفترة ما بين (1776-1881م). كما قام الشيخ العلامة مـختار انْدُومْبَ جُوبْ مؤسس قرية كُـكِّ (Coki) الشهيرة – بإنشاء مدرسة إٍسلامية في عام 1730م، كانت هي الأخرى مركز إشعاع علمي وفكري تشدّ الرحال إليه من كل حدبٍ وصوبٍ، وكل من سار على دربهم من أمثال الشيخ عمر الفُوتيُّ تال (ت 1864م)، والشيخ الحاج مالك سه (ت. 1924م)، مَابَهْ جَاخُو بَاهْ (ت. 1867م)، الشيخ أحمد بمبا (ت. 1927م)، والحاج امباكي بوصو (ت. 1946م)، والشيخ عبد الله انياس، وابنه الشيخ إبراهيم صاحب الفيضة التجانية (ت. 1975م)، والشيخ أبو محمد بن بونعامة الكنتي (ت. 1914م)، القاضي موسى مَجَخَاتِي كَلَ (ت. 1902م)، والعلامة شيخ أنتا جُوب الملقب بـ “فرعون المصريات” (ت. 1986م)، … وهلم جرا. وأمام كل هذه القامات يمتنع على العقل، بل يستحيل عليه تصديق سنغور في مقولته تلك التي أعتبرها بخسًا لحق الإنسان الأسود ونتيجة لانبهاره بثقافة الآخر.
وقد ازداد من قلقي وخوفي على المجتمع السنغالي إذا علمنا أن الواقع الاجتماعي في بلادنا استثنائي، أي أنه فريد من نوعه، حيث أن الترابط الأسري، والانتماء الطرقي، بالإضافة إلى التماسك الوطيد بين أبناء الحي الواحد، كل ذلك يشكل أكبر العوامل الأساسية في تعريض الشعب لوقوع الطامات عليهم حين تتفشى فيهم الأوبئة والأمراض المعدية التي يستوجب على كل مواطن أخذ الحيطة والحذر وتفادي التجمعات صونا للأنفس وحفظا لاقتصاد الدولة. ولا يعزب عن ذي بال أن الحياة الاجتماعية السنغالية مُتوّجة يوميا بمناسبات لا نهاية ولا حد لها، يتكدس خلالها الجماهير آتين من صوب وحدب، الأمر الذي يعرضهم أكثر للخطر حين تستفحل فيهم الأوبئة.
فيا عجبا، كيف يتسنى للمرء المغامرة بحياته ويعتقد في الوقت نفسه أنه يحسن صنعا!! بئس الإيمان إن كان وقوده الشجاعة التهورية، وبئس التعلق بأذيال الشيوخ إن كان التجاسر الأعمى يمسك بزمامه. إنها – دونما ريب – عقلية تشكل خطرا عظيما على مستقبل العطاء الفكري والروحي للطرق الصوفية التي أسسها أصحابها وهندسوها على الروحانية المتزنة بمنأى عن كل صنوف التنطع والتهور.
وعلى ضوء ذلك، قد يتساءل المرء، هل سيجدي الانتداب لتناول هذه الخطابات العاطفية التي طنت في أسماعنا وعايشناها قرابة يومين كاملين أم أنه يعتبر مضيعة للوقت، وتبذيرا للحبر والورق، وإهدارا للطاقة البشرية! حقيقة، لا أدري أيهما أرجح على الكيل، ولكن يمكنني القول دونما تعسف إن هذا الخطاب العاطفي يحظى بتأثير كبير وسلطان عظيم لدى السذج والبسطاء من الناس الذين ليس لديهم أية حصانة من علم صحيح، ودراية فاحصة، وبصيرة ثاقبة. والأدهى والأمر إذا رجعنا إلى كتابات الآباء المؤسسين لهذه الطرق الصوفية نعثر فيها ما يصم الآذان ويعمي الأبصار من الشواهد والأدلة التي هي على طرفي نقيض من هذه العاطفيات الجامحة.
والقمين بالإشارة هنا هو أن السبب مهما خفي فإذا عرف وانجلى سره بطل العجب وافتضح أمره، فالرهط المروِّج لهذا الخطاب يتخذه سبيلا إلى استدرار ما في أيدي العامة من دراهم ودنانير؛ باستمالة قلوبهم، وتهييج عواطفهم بما يحبكون من أعاجيب وغرائب، وما يروون من خزعبلات تستهويهم. فأصحاب الفطر السليمة لا يستسيغون مثل العاطفيات بل يمُجُّونها ويطرحونها أرضا، لأنهم لا يُسلِّمون بكل شاردة وواردة إلا بعد وضعها في محك النقد والتمحيص. وللأسف الشديد، قد وجدنا أنها صارت سلعة رائجة، حيث ذاعت بين الناس، وسرت – خاصة – في أوساط الطرق الصوفية سريان النار في الهشيم، بحيث تأصّل في أدمغة الكثيرين منهم وسيطرت عليها، ومن ثمَّ قد يصعب جدا الحياد عنها. كل ذلك أدى إلى نشوء اتجاه متشائم يرى أن كل محاولة تطمح إلى مراجعة وتقييم هذا الخطاب العاطفي أو نقده وإصلاحه لا محالة ستبوء بالفشل الذريع. وهذا الرأي، في حقيقة الأمر، لم ينشأ عن فراغ، بل هو نتيجة عوامل عدة منها: شيوع هذا الخطاب المنحط بين العامة، تأييد غالبية شيوخ الطوائف الصوفية له، وحمايتهم لأصحابه، علاوة على النُجُوميَّة التي يحظى بها هؤلاء في وسطهم الاجتماعي، وينضاف إلى ذلك ما تـدرّ به أيدي أغنياء الطوائف وشيوخها من هدايا متمثلة في أموال طائلة تُمنح لهم، وسيارات فاخرة، وتذاكر الحج والعمرة، … الخ. كل ذلك، لا غرابة ولا عجب، لأنهم يعزفون على أوتارهم. ولا شك أن الشيوخ المؤيدين لهذا الخطاب لا يؤيدونه حبًّا في الطريقة التي ينتمون إليها ولا سعيا وراء مصلحتها، وإنما هو لإشباع رغباتهم الخاصة وتحقيق مصالحهم الأنانية. فإنهم لا ينفكُّون يستدعون حاملي هذا الخطاب ومروجيه في مناسباتهم ليكيلوا لهم المدح والثناء، وأحيانا يدفعونهم، بشتى وسائل التحريض والإغراء، ليركبوا الصعاب فيلجؤون إلى اختراع الكرامات والغرائب التي ما أنزل الله بها من سلطان، كل ذلك بهدف الركض وراء شعبية مزيفة، وكسب هالة من القداسة ينخدع بها البسطاء فيهرولون بدون وعي وراءهم ضالين مغدورين.
وفي آخر المطاف، لا يمكن أن نختم هذه المقالة دون الإشارة إلى محاولات الإقصاء المستمرة للمثقفين المتنورين من حاشيتهم أو مناصبتهم العداء خوفا على فقد مكانتهم الاجتماعية أو على انكشاف سريرتهم. لكل ذلك فإن دعاة التهييج وشيوخ البذخ يرون المثقفين منافسين لهم يهددون مصالحهم الآنية والمستقبلية، فيبادرون دونما هوادة بمهاجمتهم وتلطيخ سمعتهم والتضييق عليهم قبل أن يستفحل خطرهم. وللأسف الشديد، فهؤلاء الغوغائيون من دعاة التهييج هم الذين حظوا بسمعة واسعة في أوساطهم، وليس في حيازتهم أية شهادة علمية ولا مستوى علمي يُلمس، كل ما هنالك – بكل بساطة – أنهم يحظون بلسان معسول وحذاقة في الخداع، بالإضافة إلى خبرتهم المنقطع النظير في فبركة القصص ونسج الحكايات بغية استمالة السذج والبسطاء.
ولا يمكنني الوصول إلى نتيجة موضوعية ومقنعة في هذه المقالة دون الإشادة إلى الوعي الذي أظهرته المؤسسات الدينية، لاسيما الطرق الصوفية – وأعني هنا بالذات المؤسسات لا الأفراد – في استقبال هذا الحدث الجلل. لقد رأينا كيف كانت هذه المؤسسات سباقة في تقييم الوضع والتعامل معه بعقلانية مستنيرة وبإنسانية عديمة النظير. وكذلك كييف انساقت إلى توحيد الكلمة مع الدولة منضمة إلى صفِّها. وهذا الموقف يوحي بأن المؤسسات الدينية في بلدنا لها الوعي السياسي والمقدرة الكافية على التموضع مع الأحداث التاريخية السياسية الجسام، والتعامل معها بكامل مسؤولية.
بقلم/ بروفيسور محمد غالاي انجاي/ بروكسل
يوم 16 مارس 2020م/ الموافق 21 رجب 1441هـ

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى