أخبار

مُعضِلة الحفاظ على_ نقاء_ الفِطرة !

الحاج مود ساخو

ردّةُ فعلٍ فطريّةٌ تلقائيّةٌ وضعتْ أمامي الصّورة الحقيقيّة عن كيفيّة إفساد التلفزيون لفطرتنا بالتّدريج ….
البارحة بعد عودتنا من المسجد تماما، جلسْنا أنا وأخي أمام التلفزيون، تناول أخي الكومان من الطّاولة، وبدأ ينتقل من قناةٍ إلى قناةٍ ومن برنامج إلى آخر… ربما بحثًا عن شيءٍ ما يعنيه متابعتُه، وقف دون انتباهٍ – على ما يبدو – على قناةٍ سنغاليّةٍ كانت تبثُّ أغاني محليّةً صاخبةً، فإذا ببنت أخي التي حوالي الرّبيع الخامس من عمرها، وكانت تستند عليَّ تشير إلى التلفزيون صائحةً : انظروا … رجلٌ يرقص ! ضحكتُ وقلتُ لها : ألا يرقصُ رجلٌ ؟! أجابت بكلّ براءةٍ : لا ( دِيدِتْ ) !
أنا أعلم سبب ردّة فعل الصغيرة بتلك الطّريقة، فبالتّأكيد هي تشاهدُ رقص رجلٍ بلحمه ودمه لأوّل مرّةٍ في حياتها،حيثُ أنّ بيئتَنا الاجتماعيّة ( القرية ) صارمةٌ جدًّا في التفصيل بين حدود الرّجل والمرأة، فهناك حدودٌ رسمتْها العادات والأعراف غيرُ مسموحٍ اختراقُها بالمرّة، وهناك سلوكٌ معيّنٌ يُفرض على الرّجل، ولا يتجرّأ أحدٌ على مخالفته إلّا مارقٌ منبوذٌ … ولا أدري كم تعبت أسماعُنا بمثل هذه الكلمات القارعة أيّام كنّا صغارًا : الرّجل لا يتصّرف التّصرّف الفلانيّ … الرّجل مع الرّجال … الرّجل يكون شجاعًا … لا تمش كالنساء … لا تثرثر مثل النّساء … إلى آخر هذا النوع من التّوبيخ اللاذع ! وقلْ مثل ذلك في النّساء أيضًا.
فكّرتُ في مستقبل هذه البنت النقيّة، وقارنتُ وضعها هذا بما ينتظره حين تنطلق إلى دنيا النّاس المحكومة بالفوضى والعبث، وقلتُ لنفسي : كيف يحافظ هذا الملاك الصغير على البراءة والنقاء وسْط كلّ تلك الأجواء الملوّثة ؟! كيف سيعبر إلى برّ الأمان وموقع الاطمئنان في هذه الصحراء القاحلة المغروسة بالألغام الفاتكة ؟! وقد هلك فيها ملايين وملايين، ما أكبر حجم المسؤولية المناطة على أعناق الآباء والأمّهات، ولا سيّما في هذا العصر المائج الذي أصبح فيه كلّ “معلومٍ من الدّين بالضّرورة ” وكلّ ” معلومٍ من العقل بالضّرورةِ ” وكلّ “معلومٍ من الفطرة بالضّرورةِ ” قابلٌ للتحريف، والتّشكيك، والتّشويه، … وجاهزٌ لعرضه لاستقبال آراء الشّوّاذ وتطبيعه فيما يخدم الهوى، ويطيب للنّفس، ويغري الدّهماء !
حين نُقايس الخسائر المعنويّة والأخلاقيّة الّتي لحقتْ بنا، بالمكاسب التّي حقّقْناها منذ لحقتْ بنا الحياةُ الحديثة، أو لنقلْ منذ لحقْنا نحن بها، نجدها فادحةً إلى أبعد الحدود، وما أشبه حالُنا معها بحال راكب سفينةٍ فقَد سيطرتَه عليْها في منتصف المُحيط، فما هو بقادرٍ على النزول منها، وما هو بقادرٍ على ضبط مسارها، فيظلّ الخطر يحدق به من كلّ جهةٍ ! مع السّنوات القليلة الّتي عشناها على هذه الأرض، شهدْنا تطوّراتٍ مقلقةٍ لم نكن نتوقّعها من قبل، قد يستطيع أيُّ واحدٍ منَّا استقصاءها لو تفكّر قليلًا، وأعاد تتبُّع شريط الماضي القريب !
كان أديبُ الفقهاء الشّيخ عليُّ الطّنطاويّ يخاف أن يأتي يومٌ نقول فيه للغرْب : خذْ ما جئتَنا به، ورُدَّ إليْنا ديننا وثقافتَنا وقِيمنا وأخلاقنا… وقد حدث ما كان يخاف بالفعل، ولاكن إدماننا للنموذج الغربيّ في الحياة، وتمكُّن الهوى على أعصابنا، لا يسمح لنا بالإقلاع ! بالمناسبة من بواكير مقالات الطّنطاويّ مقالٌ بعنوانٍ ” دمشق بعد تسعين عامًا ” لو كان كاتبُه سنغاليًّا لَقلّدناه بالقطبانيّة وبقراءة اللّوح المحفوظ، فليُقرأْ ! سيتعيّن علينا خوض معركةٍ داميةٍ طاحنةٍ للحفاظ على نقائنا الدّاخلي، ولحماية أنفسنا وأهلينا من الدّمار النّفسيّ والفطريّ والخلقيّ … فهل أنت مستعد ؟!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى