مقالات

من يرث مكتباتكم ؟!

بقلم الأستاذة سودة جوب غي

نظرا للاهتمام الزائد من قبل الإخوة القراء بمقالتنا التي نشرناها في مجلة الوحدة سنة 1991 في عددها الثالث , والتي أعيد نشرها في مجلة الصحوة سنة 2001 في العدد الرابع عشر
نود إعادة نشر المقالة هنا في هذا الموقع الإلكتروني ” رفي دكار “، لاسيما وأن شبابنا المثقفين من الجيل الصاعد كانوا صغارا في ذلك الوقت وبعضهم لم يكونوا قد رأوا النور بعد ، رأينا أن نشركهم جميعا في هذا الموضوع المثير للجدل
:

من يرثُ مكتباتكم ؟!
دخلت اللغة العربية في غرب إفريقيا منذ دخول الإسلام فيها – كما يقول المؤرخون – فاستقبلها المواطنون بكل ترحيب كلغة دين وثقافة ، بل لغة علم وحضارة ، وتعلمها جلّ السنغاليين حتى إنهم كانوا يستعملونها في الإداريات والمراسلات قبل مجيء المستعمر الفرنسي البغيض .
ولما جاء الاستعمار ولاحظ هذا الإقبال وذلك الإهتمام تيقن أنه باستمرارية هذا الوضع لن يحقق أهدافه ، ولكنه لذكائه في التخطيط واصل يعاملهم بها في مراسلات الشيوخ بلغة عربية سليمة ، حتى أن منهم من تعلموا العربية مثل موريس ديلافوس ، وفيسان مونتي ، وكرستيان كولون وغيرهم.
وبعد مراحل مختلفة من خطته تمكن من فتح مدارس عمومية فرنسية بحتة لترسيخ عقيدته وغرس مبادئه وثقافته في ذهن الأجيال الجديدة.
غير أن بعض المسلمين انتبهوا إلى هذا الخطر المحدق فرفضوا هذا التوجه ، لكن الكثير منهم تأثروا بهذا المسعى التغريبي فأرسلوا أولادهم اليهم ، ولكن ذلك لم يعرقل شيئا من تمدد لغة الضاد في هذه البقعة ، فلا يجهل أحد منا جهابذة العلماء السنغاليين الذين كانوا بالأمس عماد الدين ولغة القرآن أمثال : مور خوجا كومبا جوب مؤلف كتاب المقدمة الكوكية في النحو ، والقاضي مجخاتي كالا الشاعر المشهور ، والشيخ أحمد بامبا، والحاج مالك سي ‘والشيخ عبد الله نياس والحاج ماجور سيسي وغيرهم كثيرون يصعب حصرهم في هذه العجالة ، والذين لعبوا دورا كبيرا في نشر اللغة العربية في السنغال ، فقد تخرج من كتاتيبهم تلاميذ سافر البعض منهم الى الدول العربية وعادوا إلى الوطن بعون الله يحملون شهادات عالية وفي تخصصات مختلفة ، والبعض الآخر بقوا في أرض الوطن مناضلين حتى يشار اليهم اليوم بالبنان ، فمنهم من عينوا في الحكومة كموظفين ، سواء اداريين أو مدرسين ، ومنهم من عملوا في مجالات أخرى مثل ادإنشاء مدارس أهلية يأتيهم الدارسون من كل حدب وصوب ..
والأمر الذي دفع يراعتي إلى هذه السطور بهذا العنوان الإستفهامي قوامه الإستغراب من تصرفات بعض هولاء وأولئك الذين تثقفوا بلغة القرآن الكريم وعملوا بها ، وتمتعوا بجمالها وثرائها.. تراهم يرسلون أولادهم إلى المدارس الفرنسية مع تسجيل أبناء غيرهم في مدارسهم الإسلامية العربية،
و تراهم يحاولون تعليم أولادهم آيات من القرآن الكريم بعد عودتهم الى المنزل وعلى كواهلهم من الدروس والواجبات مالا يستطيعون إنجازها فضلا عن اضافة درس آخر من أستاذ ..أستغفر الله بل من أستاس ، ولاننكر أن منهم من ينجح بهذه السياسة فلكل قاعدة استثناء ، ولكن معظمهم مثل النافخ في رماد، أو الذي يصرخ في واد ، لأنه قد سبق السيف العذل ، وحجتهم في ذلك أن ظروف تعلم اللغة العربية في السنغال صعبة ولاتساعد على عيش كريم ، ويرون أن الحكومة السنغالية تُهمش المستعربين فماعليهم إلا أن يجنبوا فلذات أكبادهم هذه المتاعب ، ويتناسون أن حاملي شهادات عليا من تلك اللغة الفرنسية التي يتسابقون اليها يركنون إلى البطالة ، بل الخيرات التي يجرون وراءها في تعلم اللغة الفرنسية توجد أكثر منها في تعلم اللغة العربية ، ولاينكر أحد بأن كلتا اللغتين لغة ثقافة وحضارة ، لكن اللغة العربية فاقت جميع اللغات لنزول القرآن بها وكونها لغة دينية و دنيوية بكل مالهاتين الكلمتين من معان ….
وأتساءل ولي الحق في التساؤل لماذا تثقفتم بالثقافة العربية الإسلامية ولاتريدون أن يتثقف بها أبناؤكم ؟ أم أنتم نادمون على تعلمكم لغة الضاد.. ؟؟
من الذي يرث مكتباتكم الحافلة بالكتب القيمة والأسفار الثرية ؟ ومن الذي يتفاخر بما ألفتموها من كتب وما نشرتموها من مقالات وقصائد ؟ !
بل ومن الذي يزهو ويتباهي بالموضوعات التي بحثتموها وألقيتموها من محاضرات مهمة..؟ ويجب أن لا يغيب عن بالنا أن من جهل شيئا عاداه…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

  1. حقا نطقت أختي الكريمة ولكن هذه التصرفات أصبحت في خبر كان لأن معظم الجبل الصاعد فهموا الآن أهمية تعليم اللغة العربية لفلذات أكبادهم حتى يورثوهم مكاتبهم

  2. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    فشكرا للسيدة الكاتبة سخن سودة جوب غي على هذه السطور المفيدة، والتي تستحق أن تكتب بماء الذهب وذلك لما لها من فوائد كثيرة.
    فعلا ترى من المستعربين من يتعب للتمكن من اللغة العربية ولا يبذل أي جهد ليكون ولده من دارسي هذه اللغة، فأولاده كلهم في المدارس الفرنسية.

  3. شكرا يا سيدة على هذا المقال المفيد الذي أتى في أوانه
    كأنهم ندموا الحاقهم بالمدارس العربية وكأن اللغة العربية بدأت تتراجع تدريجيا في البلاد …
    وكثيرا ما لاحظت أن الأولاد الذين يتعلمون في المدارس الفرنسية العربية يهتمون بكثير اللغة الفرنسية بدلا من العربية

  4. ماشاء الله ،بارك الله في قلمك، واقع للأسف الشديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى