Articles

مقال: هتافٌ أفريقيٌّ من خارج المدرّجات

بقلم: عبد الرحمن سيدينا

مصرُ كِنانةُ العرب، لا خلافَ في ذلك، ولا مزاد.
كلُّ عربيٍّ يمتُّ إلى أمِّ الدنيا بصِلة فقه أو آصرة أدب أو شجن فَنٍّ أو تواجد رقص، كل عربي يحمل في روحه شيئًا من طمي النيل،قَبَسًا من نور الأزهر، وشيئًا من نطفة القصيدة الأولى.

خليلُ مصريّ، وشوقي مصري، وأمُّ كلثوم مصرية،
وفيفي عبده — مهما اختلفت المقامات —
تظلُّ ابنة الإيقاع الذي لا يُدرَّس.

مصر ليست بلدًا، مصر طبقة وعي؛ و رباط علم؛ وزاوية سلوك.

لكن…السنغال مصرٌ أخرى، ترتدي عباءةَ سوداء على قلب أبيض.

النهرُ السنغاليّ ليس سوى نيلٍ آخر، يجري دون أن يشترط عروسًا تُلقى في مائه، ولا ينتظر أسطورة ليبرّر جريانه،يكفيه أن يكون ماءً، ويكفيه أن يكون ذاكرة.

مسجدُ مسالك الجنان في قلب داكار؛ ليس إلا أزهرًا آخر، لكن بسحنةٍ أفريقيةٍ آسرة، بعمائم تميل إلى الشمس، وبآياتٍ تُتلى على إيقاع الطبول الخفيّة.

في السنغال، كلُّ مريدٍ ابنُ الفارض، وكلُّ شيخٍ مربي أبو العباس المرسي، والتصوّف هناك، ليس هروبًا من الحياة، بل مصالحةٌ معها.

سينغور — شاعر النهر والهوية — ليس إلا شوقيًّا آخر،
أو حافظَ إبراهيمَ غائبًا عن قصائده، فاللغة حين تعبر النهر، لا تفقد نسبها، بل تكتسب لونًا جديدًا.

واللهجة الولفية…آهٍ من اللهجة الولفية، حين تنطقها بنات نهر صنهاحة بغنجٍ لا يتكلّف الإغواء، وبعيونٍ لا تعرف الكذب، كأن الصوت فيها يمشي على أطراف القلب دون أن يتعثر به.

ويوسو ندور ليس سوى محمد عبد الوهاب آخر، اختلفت الكلمات، وتمايز اللحن، لكن الحنين واحد، والإنسان هو الإنسان حين يغنّي.

أنا لا أفهم في كرة القدم، ولا أُرجّح فريقًا على فريق، فجميعهم – في نظري — يلعبون. واللعب عندي هو ذاته سواء كان زخرفَ قولٍ، أو شطرنجَ عقلٍ، أو كرةً تبحث عن شباك.

غير أنّي، أجدني اليوم في صفّ أسود التيرانجا.لا لأنهم الأقوى، ولا لأنهم الأجمل، بل لأن بعض الانحياز لا يُفسَّر، وبعض الميول لا تحتاج إلى مرافعة.
في الأمر شيءٌ شخصي لا يعني غيري، وإن كان يعني لي الكثير.

وفيه أيضًا ما تمليه أواصر الجغرافيا، والعيش المشترك، والخبز الذي تقاسَمناه، والشمس التي أحرقت جلودنا معًا دون أن تميّز بيننا.

ولمصر — بكل تأكيد — من يشجّعها من العروبين، والناصريين، والإخوان المسلمين، وكل من يرى في النيل امتدادًا لعقيدته أو ذاكرته أو عاطفته .

أما أنا…فأهتف من خارج المدرّجات، لا ضد مصر، بل مع السنغال، حين تزأر أسودها عند ملتقى البحرين.

بالتوفيق للسنغال، وتأهّلًا مباركًا لنهائي كأس أفريقيا في نسخته المغربية الآسرة، حيث المغرب ينظر إلى مرآته ويقول: ها أنا… كما يجب أن أكون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى