مقالات

مقال: مِن وَحْيِ الشَّيطان!!!

كتب/   شعيب بن حامد لوح

يحضرني في مطلع هذا المقال مقولة قالها الخليفة الخامس للمريدية الشيخ صالح امباكي -رحمه الله-: “إن أحدكم ليُحاول أن يتتبَّع سيرة الشيخ أحمد بامبا ويتشبَّه به، ثم يُزيَّن له أن ذلك من عِداد المستحيل، ولم يعرفوا أن الاقتداء والتشبه به يجعلك -على الأقل- أفضل من بين جيلك”.

يتبوَّأ الانتماء محلاًّ مرموقا لدى مسلمي السنغال فجُلُّهم ينتمون إلى بُيوتات دينية ذات صِبغة صوفية، كما تحتلُّ المشيخة منزلا يعرفها القاصِي قبل الداني، والحكومة قبل الشعب.

ولا يخفى على أحد دور هذه الطرق في استقرار وسلامة البلاد من كل عاصفة من شأنها أن تزعزع الأمن والأمان، وذلك نابع من تربيتهم لأتباعهم على النهج الإسلامي الذي يتطلب التعاون في المُتفق، والاعتذار في المُختلف، وحب الخير للمسلم أيا كان انتماءه، قال الشيخ أحمد بامبا:

فلا تُعادوا من رأيتم فَاهُ ** يُخرج لا إله إلا اللهُ

وأحْببِ المؤمن للإيمان ** ولتُبغض الكافر للكفران

وتخرَّج على أيديهم ثُلة عمَّروا الأرض وربُّوا الأجيال متمسكين بهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- وتعاليم شيوخهم -رضوان الله عليهم- حتى لاقوا ربهم وهم لم يحيدوا عن ذاك المنهج، أي: إنهم نُسَخٌ -إن صحَّ التعبير- من شيوخهم المُربِّينَ.

حتى كان هذا الزمن الذي كثرت فيه الفتن وتلبَّس على الناس كثير من تعاليمهم، وكانت القداسةُ والعصمة ونفيُ النِّد حديث جماعة غير قليلة من مختلف هذه الطرق الصوفية، “كل يدَّعي وصلاً بلَيلى”، وهم في ذلك يعتبرون شيخهم أفضل وأعلى من غيره، ثم انتهز الإعلام هذه الفرصة لاستقطاب جمهور المشاهدين، حيث إذا أعلن عن قصَّاص سيظهر أمام الشاشة انقضَّ الناس منتظرين بشوقٍ ذلك البرنامج، والإعلام في ذلك لا يرعى أكان القصاص من المُرتزقة أم كان الحياد والمنهجية إمامه، خاصة في هذا الشهر الكريم الذي يحتاج الناس فيه إلى الاتفاق لا إلى الافتراق في مسائل فرعية جزئية، كأن رمضان أصبح شهر تنافس وإظهار العضلات بين الطرق تُنظمه الشاشات التليفزيونية الغير المسئولة.

يُخيَّل إلى بعضهم بعد أن يسمع حكايات القصَّاص أن شيخهم ذاك وِترٌ ولا يجود زمان بمثله، وبالتالي يقصرُ هِمم كل من كان في خَلده أن يحذُوَ الشيخ حذوَ القُذَّة بالقُذة.

الهدف وراء سَرد قصص الصالحين من الأنبياء والأولياء يكمن في الاتباع والعبرة والاستلهام، ونحن حينما نحكي قصة واحد من شيوخنا نأخذ بعين الاعتبار أننا سنخلقُ نُسخا منه، أو بعبارة أخرى ندرس قصته بهدف الوصول إلى ما وصل إليه، على الأقل إن لم نصل إلى مقامه فيكفينا شرفُ المحاولة.

ما يؤسف في الأمر وهو من مداخل الشيطان أن هؤلاء القَصَّاصين يحتكرون الفضل في شيخ لم يحتكر هو فضل الله الواسع في نفسه ويدَّعون له ما لم يثبت أن ادَّعاه لذاته، في مسمع ومرأى الناس جميعا بما في ذلك مسئولو أهل تلك الطريقة، وقد ندَّد مولانا الشيخ أحمد بامبا مثل هذا قائلا:

فالطَّلُّ قد يبدو أمام الوبلِ ** والفضل للوابل لا للطلِّ

ولا تُخصِّصْ فضلَ رب قد علا ** بذي تقدُّم فقط فتجهلاَ

ثم إن شيوخنا لو اكتفوا بما قام به من سبقوهم لمَّا وصل الوضع كما نشاهد اليوم.

والأمر الذي ينبغي استشعاره هو: أن أؤلئكم الشيوخ تزامنوا مع تحدياتٍ بذلوا النفس والنفيس لرفعها، ولاقوا في سبيل جهادهم عقباتٍ تمكنوا من تجاوزها. فتلك التحديات والعقبات ليست هي نفسها تحديات اليوم، وبالتالي فالطريق لرفعها وتجاوزها يختلف عن طريقهم. فالمشكلة مختلفة والحل إذا بطبيعة الحال مختلف، فالتَّحدي الأكبر بالنسبة للجيل الحاضر هو: العولمة التي تولَّد منها مشاكل أرهَقتنا وأتعبتنا، فكيف نقدم لها حلولا؟؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يطرحه مَسئولو هذه الطرق، واضعين نُصب أعينهم هذه الآية الكريمة: {تلك أمة قد خلتْ لها ما كسبتْ ولكم ما كسبتم ولا تُسئلون عما كانوا يعملون}.

فقضايا الأمة الكبرى هي الجديرة بإنفاق الوقت وإعمال التفكير فيها دون سَفاسفِ الأمور والاختلافات التي لا تَفسد للود قضية.

           

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى