مقالات

مقال: ملاحظات حول كسب وإنتاج المعرفة وتوظيف التراث

 بقلم: الدكتور محمد سعيد باه 

بسم الله الرحمن الرحيم… وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم

يطيب لنا في هذا اللقاء، ونحن متحلقون حول هذه المائدة العامرة، إجالة النظر في واقعنا المعرفي ولو للحظات سعيا إلى استكناه بعض النقاط المفصلية التي يجب التركيز عليها ونحن نحاول جهد المستطاع الاهتداء إلى مداخل التصحيح لما أصابه العطب من حياتنا المعرفية وانعكس عنها تباطؤ المسيرة الفكرية التي كان أسلافنا الكرام قد دشنوها منذ قرون خلت متجاهلين في هذا الفرز تلك الثغرة الواسعة التي أحدثتها يد التخريب وتحملنا بعد انصرام عقود إفرازاتها ونجالد اليوم لردمها بما في أيدينا من بعض الأدوات التي تحتاج إلى إعادة الصقل لتصبح قادرة على الفعل من جديد.

كان التفكير المحلّق وسيظل من منطلقات الممارسة المعرفية في إطار المنهج الرباني الذى شرفنا المولى الكريم باستظلاله مهما كان المجال المعرفي الذى نطرقه وفى أيدينا أسطع مشكاة ركبها المولى في هذا المخلوق المستخلف المكرم «العقل المستنير»، على أن نتذكر في هذا المقام ذلك الضابط الجامع المتثمل في كسر الأواصر التي إذا كبلته تشوش مجال الرؤية عنده ثم نتج عن ذلك رين لون خطير من الغبش الفكري الذى يمد اليوم رواقه على واقع أمتنا ويعرقل توقنا المشروع لنهضة معرفية متجددة تتناغم مع وتيرة الحياة حيث نسير جنبا إلى جنب مع الأمم الناهضة التي استطاعت طليعتها الفكرية معاينة تخوم المستقبل فرسمت لها لاحبا موصلا إليها بعد إزالة العثرات.

حين نلقى نظرة فاحصة فيما بأيدينا من تراث لصيق بواقعنا التاريخي الثر، والذى تم إنضاجه ثم ركمه عبر القرون منذ وفود الإسلام إلى هذه الديار النائيات عن قلب العالم الإسلامي حيث كان تنزل الوحي الأعلى وشرحه وضبط تنرلاته وفق إيقاع الحياة وفى ركابه منظومته المعرفية التي تكاملت على أيدى الجهابذة الذين أنجبتهم أمتنا فى تسلسل أخاذ، سنستيقن بأن ما نهضوا به من اجتهادات منضبطة مستوعبة لم تكن تقبل النهج التبسيطي أو اللجوء إلى الاجترار المعيب الذى لا تتجاوز قيمته التكديس غير المجدي والذي لا يسعفنا عند المقايسة مع ما لدى الشعوب التى تساكننا فى هذا الكوكب.

دون أن ننزلق إلى متاهة التقديس لتراثنا فإننا مستيقنون بأنه يحتوى على عناصر تتسم بالمتانة الكافية ليستحق الاحتفاء به وبالتالي تجليتها قبل الانتقال إلى مرحلة إخضاعه للتوظيف وفق متطلبات حياتنا الفكرية التي نتوق إلى إعادة بنائها أو على الأقل ردم ما أحدث فيها من تشققات عابت منظرها الخارجي وإن ظل جوهرها صالحا غير أنها معطلة عن الفعل المؤثر القادر على توجيه دفة الحياة توجيها سديدا ينتج عن ذلك انطلاق موجة جديدة من العطاء الفكري له القدرة على مناطحة المحرفين وسد الزوابع الفكرية العاصفة العاتية التى تحاول اقتلاع خيمنا، وبالتالي تنبذنا فيما يمكن أن نسميه بالعراء الفكري نكابد أحمالا ثقيلة من أوزار فكرية ليس لنا يد في كسبها كما نلمس ذلك اليوم فيما تموج به الحياة من حولنا من عقد قاتلة تهدد الوجود البشري برمته لأن أنماطا فكرية زائغة قد سادت وانتشرت مخلفاتها فى كل بقاع الأرض رغم كفاح مرير خاضه من يسميهم الشيخ محمد الغزالي بالمبصرين في الظلام.

في هذه المساحة التي تزداد ضيقا باستمرار والذى نشعر بوطأتها الثقيلة على أفكارنا وعلى أنفسنا، فإننا مطالبون بالقيام بقراءة حازمة مستبصرة ومستبشرة نستطيع من خلالها النفاذ إلى مضامين هذا التراث الفكري الذى تجمّع في أيدينا نتيجة جهد غير قليل نهض به أسلافنا على أن يتم ذلك بالشرطين المجمع عليهما بين العقلاء ممن يحملون هم إنهاض هذه الأمة من كبوتها الحضارية التي طالت، ألا وهما الإفلات والتخلص من: «نير التقديس ومعول الهدم».

ويتجسد هذا المطلب المعرفي الذى يزداد إلحاحا نتيجة ما نعانيه من حالة التشتت الذى يبرهن عليها ما نعيشه من تصادم فكري داخلي لا مبرر له إلا طغيان «الشهوانية الفكرية» وبتعبير أدق تعطيل فريضة التفكير السديد، في قراءة نافذة مستوعبة لما تجمع في أيدينا من تراث آل إلينا بعد عصور متلاحقة من العطاء.

ويقيننا راسخ بأن الاستعاضة عن النهج القويم (النظر القويم والمتوازن فى التراث) لن ينتج عنه إلا الصخب الهادر الذى لا يؤدى إلا إلى مزيد من اتساع دائرة التهور الذى حذر منه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) حين أراد عمر بن الخطاب اللجوء إلى نهج الاستعارة الفكرية التي تنتهى بالأمم، لا محالة، إلى ولوج نفق الخبط في التيهاء أو ما يمكن أن ننعته بـ: «الامتراء الفكري» الذى يميت شخصية الأمم وفى أحسن الحالات يخدر إرادتها الجماعية.

لدينا هنا قيد آخر: ملاحظة الفرق الجلي بين الاقتباس المعرفي المؤسس بشروطه وبين الانسلاخ الكلي أو التماهي مع الفكر الدخيل كما طالب به بعض الطليعة الفكرية المحسوبة على الأمة في القرن المنصرم حين بشرونا بأن شروق شمس المعرفة الهادية في ديارنا مجددا منوط بأن نوجه وجوهنا قبل المغرب بعد أن نولي أدبارنا القبلة الصحيحة التي ظلت ضابطة لسير أمتنا نحو مرتقى الكمال البشري المستطاع.

وعلى مستوى هذا الدرج نقف لنحتفي بكل جهد فكرى منضبط يحترم قواعد صارمات لكسب وبناء وتوظيف المعرفة النافعة للبشرية والتي من سماته التجذر في أرضية صلبة وتحمل في طياتها من عناصر القوة ما تكون به قادرة على إخصاب نفسها بألوان مغايرة من المعارف دون أن يحدث ذلك خدوشا في بنائها الداخلي ثم نستأنف مسيرة التيه عياذا بالله تعالى!

ودمتم في سابغ كلاءة الرحمن!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. ماشاءالله !!
    مقالة الشيخ الدكتور محمدسعيد باه مهمة جدا فيهامايصقل العقل ويشحذالذهن الكثير الكثير !
    بارك الله فيه من عالم مفكرومفكرعالم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى