مقالات

مقال: فاتّقِ الله وأنت في مأمن من معارفك…!

د.محمد موسى كمارا

كنت ألتقي به في صالة الرّياضة، شابًّا جلدًا صابرًا على رفع الأثقال، تتّقد عيناه بشرارة نشاطٍ لا يخفى، وكنت لا أقبل على النّاحية التي يتروَّض فيها حتَّى يعلو البشر محيَّاه كالعارض المتهلّل، ويفترّ مبسمُه عن بسمةٍ صافيةٍ لا يكون مثلها إلّا لصاحب مودّة قديمةٍ راسخة، وينطلق لسانُه بكلمات التّحيَّة والتّرحيب في الإنجليزيّة التي لم نكن نتحدّث بغيرها، ثمّ يفسح لي المكان للرّياضة معه بالتّناوب، ودام لقائي به في الصّالة – لا في غيرها – زمنًا كاد يبلغ حولًا كاملًا، والغريب أنّني ما سألته عن اسمه ولا عن بلده، وإن كنت تفرّستُ من معارف وجهه، وتوسَّمت من لطف شمائله أنّه من غرب أفريقيا، وقد راقني تفضُّله النّادرُ في أهل هذا الزّمان، وحملته على حبٍّ من الله يقذفه في قلب عبدٍ من عباده نحو أخيه، فكنت أشكر الله في نفسي، وهكذا اعتقدت!
وبانتشار هذا الوباء الفاتك الجوّال في أطراف الدّنيا، ضُرب على باب الصّالة بالأقفال والأغلاق، فغاب بعضنَا عن بعضٍ مدّةً بلغت عدَّة شهور، ولقيتُه اليوم بغتةً وأنا في سبيلي إلى بعض الشّؤون، فأقبل عليَّ مبتسمًا طلق المحيّا، بادي السّرور، ثمّ سألني عن حالي مع الرّياضة في هذه الفترة، فأخبرته بها، وفجأة كما كان اللّقاء، سألته عن اسمه، فضحك! وقال: أنا أعرفك يا أخي، وقد حدَّثوني عنك، ألست ابن الشّيخ فلان (رحمه الله) من غينيا؟ ثمّ عدّد أمورًا لا يعرفها عنّي إلّا من عرفني عن قربٍ، فنظرت إليه وقد فغرت فمي مأخوذًا باستغراب مربكٍ شديدٍ، فتحوّلت من الإنجليزيّة إلى استعمال لهجتنا في محادثته، فإذا هو بها خبيرٌ بصيرٌ، وفي الحديث بها فصيح بليغٌ، ثمَّ أفصح عن اسمه ونسبه وأهله، فإذا هو رجلٌ قريبٌ منّي، أعرف مدينته وأسرته، وتربطني ببعض أقربائه صداقة قويّة وعلاقة ظاهرة، وهكذا كان!
عدت إلى البيت بذلك الاستغراب من أمرٍ لم أتخيَّله من قبل طرفة عينٍ، فقلت في نفسي: إنَّ الغربة عن المعارف، والشّعور بالأمان من أن يطّلع على أفعالك من يعرفك، لا يشفع لك أن تنغمس في السّيّئات، وتقترف الرّذائل؛ لأنّ ذلك غير مأمون العواقب أبدًا، فاتّقِ الله وأنت في مأمن من معارفك، كما تتّقيه وأنت بين الشُّهود من أهلك وأصدقائك وأقربائك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى