مقالات

مقال: سأحذف من لا يتفاعل معي!!!

لا أظنَّ فيكم أحدًا لا يمرُّ بهذه العبارة مرّةً في اليوم، وفي الأسبوع مرارًا، على صفحات بعض الأصدقاء، ومن المضحكات أنّ قائل هذه العبارة، إذا أطلقها في هذا الفضاء الذي يقتل فيه الوهم، خرج جميع الموتى من أجداثهم، وقد نُفخت فيهم الأرواح، وكلّ واحدٍ منهم يردّد في كفنه الأبيض: (لا تحذفني، أنا متابع حريصٌ!)، وقد قلتُ لأحد الأصدقاء ذات مرَّة: إنَّ منشورات الإخبار بتصفية القائمة هي أكثر المنشورات تفاعُلًا، على حين تمرُّ منشورات العلم والجدّ فلا يشهد صاحبُها معشار هذا التّفاعل الذي يأتي به الموتى، ثمّ يرجعون إلى مراقدهم نائمين، أو ساكتين، أو جامدين بلا حركة.

ولكن ينبغي أن نقول الحقّ صريحًا واضحًا بلا مجاملة تحجبه عن العيون والأبصار؛ فعلى كلّ من يشكو قلّة التّفاعل مع منشوراته، أن يتساءل عن مدى تفاعله مع منشورات غيره، فمنشئ هذا الفضاء جعل قانون التّفاعل أساسًا بين الأصدقاء ليطّلع بعضهم على نشاط بعض؛ ولذلك لا يتردَّد في أن يغيِّب عنك منشورات الذين لا تتفاعل معهم بإعجابٍ أو تعليقٍ، والعكس صحيحٌ، فكأنَّه يقول: قد لاحظناك لا تُعنى بما ينشره فلان تعليقًا أو إعجابًا، فأرحناك منه، وأرحناه منك، وهذا أساسٌ عظيمٌ ينساه كثيرٌ من النّاس. هذه واحدة.

وأخرى، أنَّ قائمة الأصدقاء يجب أن يتوافر فيها أمران: أوّلهما أن تكون الحسابات الصديقة حساباتٍ حيّةً، غير مغفلة، ولا مهملة، ولا معطّلة. والآخر أن يكون في القائمة قدرٌ كافٍ من الأصدقاء، وأقصى القائمة خمسة آلاف صديق. ولكن مع توافر هذين الأمرين، فإنَّ جميع الأصدقاء لن يتفاعلوا أبدًا. وبالمثال يتّضح المقال: إنّ قائمتي تحتوي خمسة آلاف صديق وقت كتابة هذه الكلمة، ويتابعني ما يناهز اثنين وعشرين ألفًا، ومع ذلك، فإنَّ منشوراتي مهما نالت من الإعجاب، لا تتجاوز ألفًا على الإطلاق! ففي أيّ سماءٍ طار، وفي أيّ أرض غاص العدد الباقي البالغ ثلاثًا وعشرين ألفًا إذا طرحنا الألف من العدد الإجماليّ؟ فماذا يقول من لا تبلغ قائمته ثلاثة آلاف صديق مثلاً، وليس له من المتابعين ألفان أو ثلاثة آلاف؟ هل يتضايق لأنّه لا يتفاعل معه إلّا ستُّون أو ثمانون؟ هذه النّقطة مهمّة، فتأمّلها حقّ التّأمُّل.

وبعد مسألة التّفاعل بين الطّرفين، وخلوّ القائمة من الحسابات المهملة، تأتي مسألة مهمّة أسمّيها (مسألة المحتوى)، وعليها تقوم أشياء كثيرة، منها ترشيح الحساب، ومشاركة المنشورات، فهل المحتوى يميل إلى أن يكون شخصيًّا بحيث لا يمسُّ قضايا عامّة تشغل النّاس في طبقة من طبقاتهم؟ إن كان الجواب: نعم، فإنَّ التّفاعل سيقلُّ، ثمّ إنّ الحساب لن ينال كثيرًا من المتابعين؛ لانعدم اهتمام النّاس بتلك القضايا، والأمر يختلف إذا كان المحتوى جيّدًا يمسُّ ما يشغل حياة النّاس، في جانب من جوانبها، ويؤدّيه صاحبُه بأسلوبٍ رصينٍ يرضي النّاس، وقد يكون الحساب يتوافر فيه (حسن المحتوى)، ولكنّه يفقد أحد الأمرين المذكورين، أو كليهما، وهما: تفاعل صاحب الحساب مع غيره، وعدد الأصدقاء في قائمته، مع منزلة أولئك الأصدقاء من النّشاط أو عدمه.

أرى هذه الأمور الثّلاثة من أهمَّ الأشياء في قضيَّة التّفاعل، ولكن السّلامة كلّ السّلامة، والنّجاة كلّ النّجاة هي أن لا تنشر من أجل النّاس، لا لخلب عقولهم، ولا لجذب أنظارهم، ولا لاستنزال تعليقاتهم بالشّكر والتّقدير، بل لتكن غايتك أن تفيد النّاس بما علَّمك الله بلا ادّعاءٍ فارغٍ، ولا تعالمٍ مستقذرٍ لا معنى له، وأرى أن تهالك النّاس على حبّ التّفاعل قد جلب إليهم شرًّا وبيلًا؛ إذ صار بعضهم ينشر أيّ أمرٍ تافهٍ؛ ليرى تلك القلوب الحمراء التي (لا تُطعم خبزًا)، وصار بعضهم إذا نشر لا يهمُّه طعامٌ ولا شرابٌ ولا قراءة، وإنّما يهمّه عدد التّفاعلات والتّعليقات، وكفى بهذا ضياعًا منكَرًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: