مقالات

مقال: خُوضي ولا تَخَافي..!

محمّد موسى كمارا

راسلتْني طالبة ذات يومٍ، فخاطبتني بما هو غريبٌ عند السّماع، وليس بعجيبٍ بعدَ التّأمُّل؛ لأنَّ النّفس الإنسانيّة لا تخلو من القلق والخوف والرّهبة، وكان معنى كلامها: (قد قرأتُ كتبًا كثيرةً في قديم الأدب وحديثه، وحفظتُ قسطًا وافرًا من الشّعر، ونفسي تغرى (أي تتعلّق تعلّقًا شديدًا) بالقراءة، فلا أشبع منها ولا أرتوي)، فقاطعتها قائلًا: (ما شاء الله! إن كان هذا حقًّا فقد وهبك الله رزقًا لا يناله جميع النّاس، فهنيئًا لك على هذه الهبة العظيمة من لدن جوّاد كريم)، فعاجلتني منتشيةً بهذا المديح، نشوةً باديةً تحت طبقات حروفها، فقالت مقالةً لا أعرف جدّها من هزلها: (وأظنُّ لي قلمًا لأستطيعنَّ به مقارعة الأدباء، ومجاراة الكتّاب، وخطف راية الأدب منكم أيّها الرّجال)، فقلتُ: مصيبة ولا عليَّ! هذا تهديدٌ واضحٌ يا شقيقة الرّجال، وتهديدٌ صريحٌ لهذا الرَّجل الذي تراسلينه الآن؛ فأنا بكلامكِ هذا مقارَعٌ مجارى مخطوفةٌ منّي راية الأدب، أليست هذه مصيبة؟ فقالت: (هوّن عليك يا أستاذ، فثمّة علّةٌ تجعل من هذه المصيبة المهدِّدة ما لا يصيبُ منكم أحدًا)، فقلت: (الحمد لله على الأمن بعد الخوف، وعلى القرار بعد القلق، ولكن ما العلّة؟ فأنا لا أحبُّ أن أرى موهوبًا لا يفيد النّاس بموهبته، فهل من مانعٍ يردّكِ عن تحقيق البغية، ويصرفك عن نيل المراد، ويذودُك عن مقارعة الرّجال بالحروف الرّاجحة في ميزان الأدب؟)، فقالت: (نعم؛ والمانع هو أنّ خوفًا رهيبًا، وقلقًا شديدًا يسيطران عليَّ كلّما عزمتُ على أن أكتب شيئًا في صفحتي، وهذا ما يصدّني عمّا أريد يا أستاذ، فأكتفي بالنّقل عن الأدباء، ولا أنشرُ أفكاري وخواطري).
فعلى نهجي في الصّرامة التي لا تختلّ، وفي الجدّ الذي لا يداري إذا تعلّق الأمر بالعلم، طلبتُ منها أن توافيني في اليوم القادم بخاطرةٍ مكتوبةٍ ببنانها، مكشوفةٍ ببيانها، تكون سطورها فوق عشرة، ثمّ أعلمتُها أنّ هذا الأمر طلبٌ جادٌّ لا أتهاون فيه، ولا أقبل فيه مساومةً ولا لفًّا ولا دورانًا حول أعمدة التّسويف والتّأجيل، فارتبكت، وخشيت، وعادوها الخوف تارةً أخرى، ونسيتْ ما تمدّحت به من مقارعة الرّجال ومجاراتهم كما سلف، فأخذت تنتحل الأعذار للإفلات من القبضة التي أجهزتُها على خوفها الشّديد اللّدود.
ولـمّا رأيت منها ذلك، قلت لها: كلَّا لا مفرَّ! فقد أوقعت نفسك في الفخّ، فَابْرِي قلمَك، ووافيني بما طلبتُ.
وفي النّهاية أن أتتْني بنّصّ، وجدته بديعًا مشرقًا جميلًا، يلوح منه وميض الأدب الجيّد، ولكن ماذا فعلتْ من أمرٍ غريبٍ آخرَ؟ إنّها من شدّة خوفها من النّشر أمام النّاس، نشرت النّصّ في (حالتها) لا (في صفحتها)! فأمرتُها بنشره على صفحتها، فطفقتْ تتمنّع لائذةً بالخوف، خاضعةً للقلق، فأعدت عليها: كلّا لا مفرَّ! فنشرتْ النّصّ، وتبدّد الخوف، وزالت الرّهبة، وأصبحت آمنةً في النّشر والكتابة.
الحقُّ أنّ كثيرًا من النّاس يخافون أمورًا لا تصعب عليهم لو خاضوها مسلّحين بالجرأة والشّجاعة، ولهذا الشّأن جانبٌ نفسيٌّ يستحقّ بيانًا أوسع في غير هذا الموضع، ولكن خُوضْي ولا تَخافْي، وأقدمْي ولا تُحجمْي، وتجرَّئي ولا تجبنْي، واعلمي أنّ الإنسان مفطور من خالقه على قدرةٍ عجيبةٍ عصيّةٍ فائقةٍ، تستطيع اختراق الحواجز، وهدم السّدود، وإلانة الصّعاب؛ لو صدقت العزيمة صدقًا بريئًا من التّخوُّف والتّوهُّم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى