مقالات

مقال: تعقيب على تعقيب الشيخ “محمد سالم المجلسي” على تزكية فضيلة الشيخ “الددو” ل”آل نياس”

الهادي بن محمد المختار النحوي

قرأت في مواقع التواصل الاجتماعي نصا للشيخ الفاضل والداعية الموقر محمد سالم المجلسي يستدرك فيه على فضيلة الشيخ محمد الحسن الددو تزكيته لآل نياس والتجانيين.

لقد أعجبني النص من حيث قوة سبكه وأسلوبه الأدبي وقدرة صاحبه على انتقاء عباراته بدقة وإن كنت لا اتفق مع كثير من مضمونه ومع ذلك يقدر للشيخ أن نصه تضمن فقرة فيها بعض إنصاف للقوم بعد أن شدد النكير عليهم في معظم الفقرات.

وقبل التعقيب على ما ورد في كلام الشيخ المجلسي حفظه اللـه أود أن أسجل الملاحظات التالية:

أولا: أنني لم أتعرف سابقا على الشيخ المجلسي حفظه اللـه ولكنني تعرفت عليه مؤخرا في إحدى المجموعات فأدركت ما حباه اللـه به من علم وأدب واعتدال وإنصاف للمخالف، وقد استفدت من بعض دروسه في تلك المجموعة خاصة درسه عن الأدب المفرد للبخاري.

ثانيا : كتبت هذا التعقيب ظنا مني أن الشيخ المجلسي لم تعجبه تعزية الشيخ الددو لآل انياس في وفاة الخليفة الشيخ أحمد التجاني رحمه اللـه ثم تبين لي بعد كتابة التعليق أن النص كتب قبل أكثر من سنة في مناسبة أخرى ، واحمد اللـه أن الشيخ المجلسي لم يستهدف بما كتب الاستدراك على الشيخ محمد الحسن في تعزية المسلمين . ومع ذلك فإن ما ورد في تعقيب الشيخ المجلسي يستدعي توضيح بعض الأمور المتعلقة بالطريقة بغض النظر عن المناسبة التي كتب بسببها النص. ولعل بعض محبي أو مريدي الشيخ المجلسي أعادوا نشر هذا النص بمناسبة التعزية في وفاة الخليفة الشيخ أحمد التجاني، لكنهم لم يوفقوا في ذلك، حسب تقديري، وقد يكون الأمر مجرد صدفة لكنها ليست من أحسن الصدف.

ثالثا: إن هذه الفقرات ليست موجهة إلى الذين حسموا أمرهم وكفروا التجانيين وأهل التصوف فأولئك اختاروا طريقهم وسدوا أبواب التواصل، بل إنها موجهة إلى العقلاء والحكماء والمنصفين من أبناء المدرسة السلفية والمنصفين عموما.

رابعا: إن العبد الفقير يكره الدخول في هذه الحوارات العَقَدية التي سماها أحد الكتاب (الحرب الباردة) لما تسببه من فتنة وخصومات وشقاق بين أبناء الأمة، ولما تظهره من اختلال في ترتيب الأولويات. يقول الداعية الكبير الشيخ محمد الغزالي: (إن السلطات المستبدة قديما و حديثا يسرها الخلافات العلمية التي لا تمسها.)

والآن نبدأ بإذن اللـه في التعقيب على ما ورد في كلام الشيخ المجلسي وفقه اللـه.

حسب فهمي المتواضع للنص، فإن الشيخ المجلسي حفظه اللـه ركز على مسألة أساسية ألا وهي التهوين من شهادة فضيلة العلامة الشيخ محمد الحسن في حق التجانيين عموما بل وتخطِئته في ذلك و نفيِ أي وجه حق عن تلك الشهادة. يقول الشيخ المجلسي وفقه اللـه : (إن المعول عليه في الحكم على الصوفية وغيرهم ليس رأي فلان ولا عمل فلان وإنما ما تنزل من أحكام الشرع الثابتة على عملهم الملموس أو اعتقادهم المصرح به وهذا هو المنهج الحق الذي لا يحيل عنه إلا حداة لا أباعر لهم ومن قبض على غير هذا فقد خدع و قبض على الماء).
و كلام الشيخ هنا جيد عندما يقول إن المعول عليه إنما هو ما تنزل من أحكام الشرع الثابتة على عمل القوم لكن الإشكال الذي يواجهنا هنا هو أن تنزيل الأحكام الشرعية على عملٍ مَّا، يحتاج إلى أهل العلم ولا شك أن الشيخ المجلسي من أهل العلم و لكننا لا نحتاج إلى تذكيره أن الشيخ محمد الحسن أيضا من أهل العلم فإذا مدح القومَ أو زكاهم فلا أظن أنه يغيب عنه تنزيل أحكام الشرع على أعمالهم و معتقداتهم ولا أظن أن الشيخ المجلسي يقصده بعبارته ( لا يحيد عنه إلا حداة لا أباعر لهم ) وإذا كان لا يقصد الشيخ فلعل هذه العبارة لا محل لها من الإعراب حتى لا نقول إنها زلة لسان أو نقص في الأدب مع علامة جليل مثل الشيخ الددو ، ولم نتعود من الشيخ المجلسي إلا اللين في الخطاب واحترام المخالف فكيف بمخاطبة العلماء..

وبما أن الشيخ المجلسي حفظه اللـه أزعجته تزكية الشيخ الددو للتجانيين، على ما يبدو، فأذكره بأن هذه ليست شهادة يتيمة ، فأكابر علماء “السلفية” في موريتانيا زكوْا التجانية ومدحوا مشايخها وكانت تربطهم بهم علاقات ود واحترام مثل العلامة المجدد بابا ولد الشيخ سيديا الذي سئل مرة عن الطريقة التجانية فقال إنه لا يمكن أن يتكلم فيها بسبب رجلين هما العلامة محمد فال ولد باب والعلامة المرابط ولد أحمدو فال رحمهم الله جميعا.

وهذه شهادة العلامة موناك التندغي التي يمدح فيها الشيخ إبراهيم انياس:

قطب التيجانية الشــهير وتاجــها *** وإمامـــها وجـــدوده تيجانهــا

ذو الرتبة العلياء التي تنحط عنــ *** ـها العارفون ولو سما عرفانهـا

فبــه الشــريعة قد تمــكن صيتها *** وبه الحــقيقة قد ســما بنيــانهـا

كـلتــاهــما لولاه أقفر رســمها ***بيــن الورى وتدكدكت أركـانهـا

وقال العلامة الجليل محمد سالم بن قثم السمسدي يمدح الشيخ إبراهيم انياس أيضا:

ألا أيها الشيخ المربي* وللتعليم من هو ذو انتصاب ورثت المجد من آباء صدق* بطيني وديني انتسابي
وملكك الرقيب رقاب قوم*** وحق لمثلكم ملك الرقاب

وقال العالم الشهير الشيخ محمد بن أبو مدين الديماني في مدح الشيخ إبراهيم كذلك:

إلى الشيخ إبراهيم كنز المعارف* وعارف ما قد غاب عن كل عارف وغارف جـمّاتِ المكـارم والتقى* من آبائه الشم الكرام الغطارف
إمام هـدى ما زال للعلم ناشرا*** وما زال يعطي ماله للمصارف

وهذه شهادة الإمام بداه البصيري:
(الحمد للـه والصلاة والسلام على رسول اللـه،
أما بعد فإعلام لمن حضر ومن لم يحضر وسائر الأنام إني بريء براءة الذئب من دم يعقوب من الطعن والتقول على روح الغوث الشيخ أحمد التيجاني وبريء كذلك من الطعن على الشيخ إبراهيم وأسرته وكذلك بريء من الطعن على كل من ثبتت له الاستقامة على شريعة محمد صلى اللـه عليه وسلم وسائر العلماء والصالحين وبريء أيضا من التعرض لسائر أتباع الشيخ سيدي أحمد التيجاني وأتباع الشيخ إبراهيم وعزمي منطو على مسالمة سائر الناس والانكماش عنهم من مبدأ أمري وهذه الهروج الأخيرة المذكورة على لسان رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم زادتني مشاهدتها ورؤيتها انكماشا… إلى آخر الشهادة.
كتبه بداه ابن البوصيري فاتح جمادى الأخير عام ١٤٠٠.)

وهذه شهادة العلامة محمد سالم عدود رحمه الله:
(بسم اللـه الرحمن الرحيم
الحمد للـه والصلاة والسلام على محمد رسول اللـه وعلى آله ومن اهتدى بهداه.
أما بعد، فإن الذي عندي في القوم عموما وفي التجانيين خصوصا، هو ما عبرت عنه بتجرد بقولي مقرظا كتاب علم الأعلام سيد شباب الإسلام محمد فال بن عبد اللـه بن محمد فال بن بابا بن أحمد بيبه إذ قلت:
خلاصة الرد على الزمزمي * أن الــذي ألــزم لــم يـــلــزم وأن أهـــل اللـه أحــــوالــهــم* أربت على الجوزاء والمرزم
وأن إنـــكــار كــرامــاتــهــم *** شنــشـنة تــعـرف مـن أخــزم
وأن مــا أشــكل من قـولــهــم *** تـأويــــلـه أســــلـم بـالأحــزم
جـــنـد مــن اللـه مـمـــد فــمــن *** ناهدهــم مـن حــاشــد يــهزم
من يرفعوا يرفع ومن يخفضوا *** يخفض وما جـزموا يجــزم.
هــــذا وقـــد آن لــي أن لا تأخـذني فــي الحـــق لومة لائم.
كتبه محمد سالم بن محمد عال بن عبد الودود كان اللـه لهم ولأوليائهم وليا آمين)

هذه شهادات لبعض أئمة السلفية في موريتانيا، حسب تصنيف السلفية أنفسهم.

أعرف أن إخوتنا السلفيين سيذكروننا أيضا بأن بعض العلماء في موريتانيا قد أنكروا على الطريقة التجانية مثل الشيخ محمد الخضر ولد ما يأبى ومثل الشيخ محمد عبد اللـه ولد أحمذي وغيرهما وأزيد إخوتنا ،وهم يعرفون ذلك ، ببعض فتاوى هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية التي صدرت قبل سنوات وكفروا فيها الطريقة التجانية:

(السؤال السابع من الفتوى رقم ‏(‏5553‏)‏‏:‏
س7‏:‏ ما هي عقيدتكم في طريقة التيجانية ورؤية المصطفى صلى اللـه عليه وسلم يقظة‏؟‏
ج7‏:‏ الفرقة التيجانية من أشد الفرق كفرا وضلالا وابتداعا في الدين لما لم يشرعه اللـه‏.‏ وسبق أن سُئلت اللجنة الدائمة عنهم وكتبت بحثا في كثير من بدعهم وضلالاتهم الدالة على ذلك وأما دعوى بعض الصوفية أنه يرى النبي صلى اللـه عليه وسلم يقظة فشيء لا أصل له، بل هو باطل وإنما يرى صلى اللـه عليه وسلم يوم القيامة حين يخرج الناس من قبورهم، وقد صح عنه صلى اللـه عليه وسلم أنه قال‏ في صحيح البخاري الخصومات ‏(‏2281‏)‏، صحيح مسلم الفضائل ‏(‏2374‏)‏، سنن أبو داود السنة ‏(‏4668‏)‏، مسند أحمد بن حنبل ‏(‏3/33‏)‏‏.‏ “أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة‏”.‏ وباللـه التوفيق‏.‏ وصلى اللـه على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم‏.‏
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الرئيس‏:‏ عبد العزيز بن عبد اللـه بن باز
نائب الرئيس‏:‏ عبد الرزاق عفيفي
عضو‏:‏ عبد اللـه بن غديان
عضو‏:‏ عبد اللـه بن قعود)١

والفتوى السابقة أكدت أخرى سبقتها إجابة على سؤال حول حكم الصلاة خلف إمام تيجاني:
(حكم الصلاة خلف إمام مبتدع تابع للطريقة التيجانية
فتوى رقم ‏(‏2089‏)‏‏:‏
س‏:‏ لقد تضاربت أقوال الفقهاء في الصلاة خلف الأئمة المبتدعين وأصحاب الطرق خصوصا التابعين للطريقة التجانية، وقد اطلعت على رسالة الشيخ عبد الرحمن بن يوسف الإفريقي رحمه اللـه، مدير دار الحديث بالمدينة المنورة سابقا ‏[‏الأنوار الرحمانية في هداية الفرقة التجانية‏]‏ حيث اتضح أن عقائد أصحاب هذه الطريقة- هداهم اللـه إلى سواء الصراط- غير صحيحة، وهم أقرب إلى الشرك والضلالة والعياذ باللـه منهم إلى الإيمان والتصديق بكتاب اللـه واتباع سنة رسوله المصطفى المختار عليه صلاة اللـه وسلامه، فهل تصح الصلاة خلف إمام مبتدع تابع للطريقة التجانية‏؟‏ وإذا كان الجواب لا، فهل للمسلم إقامة الصلاة في أهله وفي بيته إذا لم يجد في أي مسجد في المدينة التي يسكنها إماما غير مبتدع‏؟‏ وهل تجوز إقامة الصلاة في جماعة خاصة في المسجد بعد انتهاء المبتدع صاحب الطريقة التجانية من صلاته‏؟‏ وهذا سيؤدي إلى بلبلة في الأفكار وتفرقة بين صفوف المسلمين‏.‏

ج‏:‏ الفرقة التجانية من أشد الفرق كفرا وضلالا وابتداعا في الدين لما لم يأذن به اللـه سبحانه، فلا تصح الصلاة خلف من هو على طريقتهم، وبإمكان المسلم أن يلتمس له إماما غير متبع لطريقة التجانية وغيرها من طرق المبتدعة ممن لا تتسم عباداتهم وأعمالهم بالمتابعة لمحمد بن عبد اللـه صلوات اللـه وسلامه عليه، وإذا لم يجد إماما غير مبتدع فيقيم له جماعة في أي مسجد من مساجد المسلمين إذا أمن الفتنة والإضرار به من المبتدعة، فإن كان في بلد تسلط فيه مبتدع فيقيم الجماعة في أهله أو بأي مكان يأمن فيه على نفسه، ومتى أمكنتك الهجرة إلى بلد تقام فيه السنة وتحارب البدع وجب عليك ذلك‏.‏ وباللـه التوفيق‏.‏ وصلى اللـه على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم‏.‏
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الرئيس‏:‏ عبد العزيز بن عبد اللـه بن باز
نائب الرئيس‏:‏ عبد الرزاق عفيفي
عضو‏:‏ عبد اللـه بن غديان
عضو‏:‏ عبد اللـه بن قعود)

هذا إضافة إلى مواقف كبار مشايخ السلفية المكفرة تصريحا او ضمنا للتجانية.

والخوف هنا ليس على التجانيين فهم آمنوا باللـه ربا وبالإسلام دينا و بمحمد نبيا – صلى الله عليه – ولا ينتظرون شهادة صحة إسلام من أحد إنما الخوف على من كفرهم وهو يعرف خطورة تكفير المسلمين و نتيجتها التي حذر منها الحديث الشريف “إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما”.

والغريب أن إخوتنا في المدرسة السلفية عندما يتعاملون مع المخالف فإنهم لا يذكرون إلا المثالب والأخطاء أو المتشابهات ويغضون الطرف عن الحسنات والأعمال الصالحة.

تغير مواقف العلماء
ومما فاجئني في كلام الشيخ المجلسي وفقه اللـه وهو الداعية المتبصر والناضج فكريا والعارف أن العلماء على مر التاريخ تتغير اجتهاداتهم وآراؤهم ومواقفهم ولست بحاجة إلى أن أعطي أمثلة للشيخ بذلك، تذكيره بمواقف الشيخ محمد الحسن من الطريقة التجانية في مرحلة معينة تناقض مواقفه اليوم وكأنه يريد أن يحرج الشيخ أو يظهر عدم انسجام أفكاره وبما أن الشيخ المجلسي ذكر ببعض المآخذ على الطريقة التجانية مثل وحدة الوجود و تفضيل صلاة الفاتح على القرآن الكريم وأقول مع الشيخ هنا إن هذه مسائل خطيرة لكنها ينبغي أن لا تنطلي في مآلاتها على مثله من أهل العلم الحذاق فمثله ينبغي أن يتحرى الصورة كاملة.

أثار الشيخ وفقه اللـه قضية الرقص عند التجانيين ولن أسعى هنا للتسويغ والبحث عن المخارج الحسنة في هذا الباب وأقول إن أي عمل أو سلوك يخالف الشريعة يستنكر ولا يقبل سواء صدر من التجانيين أو من غيرهم.
وحدة الوجود
أما بالنسبة لقضية وحدة الوجود التي أثار الشيخ ضمن المآخذ على الطريقة التجانية فإني كنت أرغب مرة أخرى أن ينظر الشيخ وفقه اللـه بعين البصيرة وبشيء من التروي وحسن الظن بإخوته، فما هي ثمرة وحدة الوجود؟ وكيف نقول إن جماعة تؤمن بوحدة الوجود وتأمن مكر اللـه وعندها ضمانات دخول الجنة ومع ذلك فالمنتسبون إليها يجتهدون في الطاعات من صلاة وصيام وحج لمن استطاع إليه سبيلا بعد الشهادتين ويفنون أعمارهم في طلب العلم ونشره وتلاوة القرآن وما تيسر من أعمال البر والطاعات، كيف يستقيم -مع هذا الاجتهاد في الطاعات- أن نتحدث عن وحدة الوجود؟
وهذه القضية مما يصر إخوتنا في السلفية على القول بأن التجانيين يقولون بها وبغيرها من الأخطاء العقدية التي ألزموهم بها من باب لزوم ما لا يلزم ونسوا أن لازم المذهب ليس بمذهب.
يقول الشيخ محمد سعيد بن بدي في كتاب حسن التقاضي:
(…هذا عن الطريقة التيجانية، وأمَّا ما في جواهر المعاني من كلام الشيخ التيجاني رضي اللـه تعالى عنه مما زعم ابن أحمذي عفا اللـه عنه أنه دائر بين صريح الكفر ومراغمة السنة، فهو خارج عن الطريقة وأكثر التيجانيين لا علم لهم به أصلا فضْلاً أن يكون لهم عقيدة، ولولا إنكار المنكرين وإشاعتهم له ما خطر لهم ببال، إذ هم كغيرهم من عوام المسلمين غير معنيين به.)٢

التجانية والابتداع
والسلفيون يتهمون أهل الطريقة التيجانية بالابتداع والإحداث في الدين، ولكن هل يتبنى أهل الطريقة ما اتهموا به وهل يدافعون عنه ؟
يقول أستاذ الجيل العلامة الشيخ اباه بن عبد اللـه مقارنا بين عقيدة التجانيين وعقائد بعض الفرق الضالة:
( فالمعتزلة يقولون بخلق القرآن ويمتحنون من لم يقل به، وهكذا في سائر آرائهم الفاسدة، و الشيعة يقولون بعصمة الأئمة بل قالت الغرابية منهم بمشاركة علي كرم اللـه وجهه للنبي صلى الله عليه وسلم الرسالة، والخوارج يقولون بتكفير صاحب الكبيرة ويدافعون عن ذلك فالخلف منهم يتلقف هذه العقائد عن سلفه في كل فرقة أو نحلة. وسلْ أي تجاني شئت ولو عاميا: هل كتم النبي صلى الله عليه و سلم شيئا مما أمر بتبليغه ؟ فسيقول بالضرورة ما يقوله المسلم: لا، هل صلاة الفاتح من القرآن أو تفضله أو تساويه أو هي من وحي الأنبياء فسيقول بالضرورة: لا وألف لا، وقس ما لم يقل.
و ما ذلك إلا أن خلَفَهم لم يأخذه عن سلفهم، و لم يقلدهم فيه تقليدَ أعمى ولا بصير، ولو كان شيئا معدودا من طريقهم ومعروفا عند مشايخهم لقلد الخلفُ فيه سلفَهم خصوصا العوام منهم ولدافع عنهم كما يدافع أهل كل مذهب عن مذهبهم، ولولا هؤلاء المتعصبون لم تخطر هذه الطامات لهم ببال و اللـه على ما نقول وكيل.)٣

تفضيل صلاة الفاتح
أثار الشيخ المجلسي بارك اللـه فيه أيضا مسألة تفضيل التجانيين لصلاة الفاتح على القرآن الكريم وهذه المسألة مثلها مثل وحدة الوجود وغيرهما من المآخذ على الطريقة ، وقد اوضح علماء الطريقة الموقف منها، وألفوا كتبا كثيرة في هذا الباب، وتعقيبي على هذه النقطة سيكون من واقع المشاهدة والمعايشة فالذي أعرفه ويعرفه الجميع أن التجانيين من أكثر المسلمين تعلقا بالقرآن الكريم و وحفظا له ومدارسهم لتعليم القرآن منتشرة في موريتانيا وخارجها.

فأطفالهم يبدؤون في السنوات المبكرة حفظ القرآن مثلهم مثل أضرابهم من أبناء المسلمين ولو كانت عقيدتهم أن صلاة الفاتح أفضل من القرآن لحفظوها لأبنائهم قبل حفظ القرآن و كلماتها لا يتجاوز عددها ثلاثة وعشرين كلمة.

و العبد الفقير الذي نشأ في بيئة تجانية لم يحفظ صلاة الفاتح إلا بعد أن قارب الخامسة عشر من العمر كما أنه لم يسمع عن هذا التفضيل ( صلاة الفاتح على القرآن ) إلا بعد أن احتك بالسلفيين وبدأ القراءة في كتبهم واطلع على فتاويهم ومناقشتهم فكيف يستقيم و-الحالة هذه- أن يكون من عقيدة التجانية تفضيل صلاة الفاتح على القرآن الكريم؟

يقول الشيخ الخليل النحوي في كتابه المسائل العشرة مقارنا بين كلام الشيخ أحمد التجاني وبين كلام الإمام ابن تيمية :
(ولنكتف في ختم هذا الموضوع بكلمتين، إحداهما لشيخ الإسلام ابن تيمية يحرر فيها مسألة المفاضلة المشار إليها عاليه، حيث تحدث في فتوى له عن أيهما أفضل تلاوة القرآن أم التسبيح وما عداه من الاستغفار والأذكار، فبنى جوابه على أصلين أولهما: أن جنس تلاوة القرآن أفضل من جنس الأذكار، وحكى إجماع العلماء على أن تلاوة القرآن أفضل، لكنه استدرك قائلًا: لكن طائفة من الشيوخ رجحوا الذكر، ومنهم من زعم أنه أرجح في حق المنتهي المجتهد، كما ذكر ذلك أبو حامد في كتبه، ومنهم من قال: هو أرجح في حق المبتدئ السالك، قال ابن تيمية: وهذا أقرب إلى الصواب، يعني: أنه اعتبر الذكر أرجح في حق المبتدئ.

وثاني الأصلين هو: أن العمل المفضول قد يقترن به ما يصيره أفضل من ذلك، وهو نوعان: أحدهما ما هو مشروع لجميع الناس، والثاني: ما يختلف باختلاف أحوال الناس.)

أما موقف الشيخ أحمد التجاني فيوضحه الشيخ الخليل النحوي على النحو التالي:

(أما الكلمة الثانية فهي تذكير بما يساعد في رفع اللبس عن كلام الشيخ التجاني نفسه ، فإنه افترض كما حدث أن كلامه عن فضل صلاة الفاتح قد يفهم على أساس أنه تفضيل لها على الاشتغال ببقية الأذكار بما فيها القرآن الكريم ، فقد قال بالنص : فإن قلت : ربما يطلع بعض القاصرين ومن لا علم له بسعة الفضل والكرم ، فيقول : إذا كان هذا كما ذكر ، فينبغي الاشتغال به أولى من كل ذكر حتى القرآن ، قلنا له : بل تلاوة القرآن أولى لأنها مطلوبة شرعا لأجل الفضل الذي ورد فيه ، ولكونه أساس الشريعة وبساط المعاملة الإلهية ، ولما ورد في تركه من الوعيد الشديد، فلهذا لا يحل لقارئه ترك تلاوته. أما فضل الصلاة التي نحن بصددها، فإنها من باب التخيير لا شيء على من تركها.

وقال في محل أخر: (أما تفضيل القرآن على جميع الكلام من الأذكار والصلاة على النبي صلى اللـه عليه وسلم وغيره من الكلام فأمر أوضح من الشمس، كما هو معلوم في استقراءات الشرع وأصوله، شهدت به الآثار الصحيحة، فللمنصف الذي لم يستطع أن يفهم من كلام الشيخ التجاني في المفاضلة ما يفهم من كلام ابن تيمية أن يقف عند هذا الكلام الواضح الصريح، ويحكمه فيما سواه، ويدع ما يريب إلى ما لا يريب.)
ويقول الشيخ الخليل النحوي في ختام مناقشته لهذه النقطة:
( وخلاصة القول في هذا المبحث أن الصوفية المتهمين بتفضيل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على القرآن لم يقولوا بذلك على وجه الإطلاق بل صرحوا بما لا يخفى على ذي نظر بأن تفضيل القرآن على جميع الأذكار والصلوات أوضح من الشمس، وما التبس على بعض إخوتنا فظنوه تفضيلا للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، إنما هو تفضيل نسبي ، غير مطلق ، مقترن بحال التالي ، وقد صرحوا بأنه لا يعذر في ترك تلاوة القرآن بالاشتغال بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ).٤

الفتنة بين المسلمين
هذه المسائل و المآخذ على الطريقة التجانية يسلم بوجود بعضها ونستنكر ما يخالف الشرع من غير المختلف فيه لكن هذه المسائل أخذت زخما وبُعدا أدى إلى فتنة كبيرة بين المسلمين بعد ظهور السلفية المعاصرة المتشددة وحملات التفتيش وعمليات الغربلة الدقيقة التي ادت – عن حسن نية على الارجح – إلى تكفير المسلمين أو على الأقل منحهم شهادة مختومة بالبدعة والضلال والزندقة والانحراف وهذا المنهج أصاب الأمة في مقتل وأصبحت لغة التبديع والتفسيق هي السائدة وآلت إلى التكفير قبل ان تتحول إلى التفجير والتدمير.

إن إخوتنا في المدرسة السلفية قدموا خدمات طيبة للدين الإسلامي و بذلوا جهدا في تنقيح التراث الإسلامي لكنهم في المقابل يتحملون وزر ما تعانيه الأمة اليوم من فتن وخلافات لأنهم انتهجوا منهج الفرز والتصنيف واختاروا كرسي الوصاية على المسلمين واشتغلوا بتصحيح عقائد الناس ونسوا الحاجة إلى أن يشتغلوا بأنفسهم و يكفوا ضررهم عن المسلمين.

وإذا كان بعض المنتسبين إلى التصوف يعانون من “فقر” في العقيدة فان السلفية تعاني “تورما” عقديا أضر بجسم الأمة ويحتاج إلى علاج قوامُه الحوار البنّاء والتواضع وحسن الظن وتحسين الزاد من اللغة العربية.

وإذا كان إخوتنا في المدرسة السلفية يتهمون الصوفية بأنهم تفرقوا إلى فرق ومجموعات كثيرة وأن ذلك يؤكد ضلالهم واتباعهم للهوى فإننا نذكر إخوتنا السلفيين أن السلفية أصبحت “سلفيات” كثيرة يعادي بعضها بعضا فنجد السلفية التقليدية السلطانية والسلفية المدخلية والسلفية العلمية والسلفية الجهادية بفروعها المختلفة، فأي السلفيات هي الصحيحة والجميع يعتمد المرجعيات ذاتها من الرموز والأئمة المعروفين.
وإن كنا لا نحمل السلفية عموما أخطاء بعض فروعها.
وإذا كان إخوتنا في المدرسة السلفية يتهمون التجانية بتهم خطيرة في الجوانب العقدية فإن التجانيين بل كل المسلمين يتهمون السلفية بأنها تسببت في فُرقة الأمة وإضعافها وإشعال الحروب بينها فنشرت الخراب والدمار في بلاد المسلمين ومعظم ضحاياها من المسلمين أو من المعاهدين من غير المسلمين، كما ذكرنا آنفا.

التوسط في الأحكام
نحن لا نطلب من خصوم التجانية أن يمدحوها وإنما نطلب منهم عدم تكفيرها ولهم مخرج من ذلك حسب الموقف الذي عبر عنه العلامة الجليل الشيخ محمدو حامد بن آلّا رحمه الله تعالى:
وقفت عند مقـام الجهل فالجُهـلا *** أولـى بأن يقـفوا عن موقف النبـلا
لذاك لما رأيــت القالة اختـلفـوا *** ما بـيـن مـنتصر أو مظهــر خـلـلا
‏ثنيت عندي عنان القول ملتزما *** صمتي فموقف مثلي موقف الجـهلا
كي لا أوالي عــند الله مبـتدعـا *** أو أن أعـادي ولــي الله جــل عــلا

وأنتم فضيلة الشيخ ممن يعول عليه في توجيه هذا المنهج والسعي إلى ما يقرب بين المسلمين ويوحد كلمتهم.
وأدعوكم بهذه المناسبة إلى مبادرة ناقشتها في إحدى المجموعات مع بعض الإخوة الدعاة بغرض تنظيم لقاء جامع بين علماء ودعاة وشيوخ مدرسة التصوف والمدرسة السلفية لمحاولة الوصول إلى طريقة حكيمة لإدارة هذه الخلافات المريرة بعدا عن الاقصاء واحتكار الصواب والحق..
ولنتذكر أن من مفاتيح تسهيل التفاهيم أن نستحضر أن هذه الخلافات ليست قضية حق وباطل أو إيمان وكفر أو سنة وبدعة.
والصلاة والسلام على الحبيب الشفيع

المراجع:

١ فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
٢ حسن التقاضي، ص ٧٧
٣ من رسالة العلامة الشيخ اباه بن عبد الله التي كتبها جوابا لسائل يسأله عن كتاب الهدية الهادية لتقي الدين الهلالي، نقلا عن كتاب حسن التقاضي للشيخ محمد سعيد بن بدي، ص ٩٥
٤ كتاب المسائل العشر الشيخ الخليل النحوي ، ص ١٣١

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. هذه المساجلات لا أراها تناسب موقعكم المحترم، وأضف إلى ذلك غياب الحيادية والمهنية لدى الناشر، لأنه ينبغي قبل نشر التعقيب على التعقيب نشر التعقيب نفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى