مقالات

مقال: المدرسة القرآنية في السنغال.. وإشكالية مسايرة الواقع

بقلم/ جبريل إبراهيم فال

لئن كان عدد كبير من الشعب السنغالي يقبلون على المدارس القرآنية ويرسلون إليها أولادهم لحفظ القرآن الكريم وتلقي تربية دينية، فإن عددا يساويه يغضون الطرف عن هذه المدارس لأسباب تعود إلى وضعية المدارس نفسها …
ومن تلك الأسباب: الصورة النمطية التي ينظر بها هؤلاء إلى المدرسة القرآنية من أنها بؤرة للعنف وسوء التغذية إلى جانب التخلف الاجتماعي الذي يلحق الطفل في مستقبله الحياتي، صورة تجعل الكثير يظن أن تعلم القرآن والعلوم الشرعية لا يضمن للطفل مستبقلا باهرا، فالحصول على المناصب الاجتماعية العالية يكمن في التعلم الفرنسي ..


وإذا كانت هذه هي النظرة السائدة فإنه علينا أن نراجع أنفسنا ونناقش هذه التصورات بموضوعية، لنتساءل
وهل فعلا أصاب أصحاب هذه النظرية في رؤيتهم السلبية والقاتمة للمدراس القرآنية ؟ في الحقيقة أن كثير من المدارس القرآنية لا تسلم من هذه المثالب، فالعنف أصبح فكرة راسخة في ذهن العديد من القائمين على هذه المؤسسات التربوية العريقة، والاعتقاد العام لديهم أن تعلم القرآن لا يكتمل إلا بالتعذيب والألم والحياة القسرية،.وهذا صورة قائمة ذهبت بالبعض حينما يريد زجر أولادهم يهددونهم ويخوفونهم بإرسالهم الى الكتاب..
كما أن سوء البنية التحتية للمدرسة القرآنية وضعف الكفالة داخلها سائد في كثير من هذه المدراس لأسباب لا حاجة إلى ذكرها هنا ..
وأما ما يظنه هؤلاء بأن تعلم القرآن الكريم سبب في البطالة والتخلف الاقتصادي فيعود إلى أن منهج المدارس القرآن في هذا العصر موضوع أساسا لتربية المسلم على أساس القرآن الكريم والعلوم الشرعية وليس لتخريج الكوارد في المجالات المهنية… بخلاف المدرسة القديمة، فلم يكن تعليم القرآن الكريم في الرعيل الأول من تلاميذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغرق أوقاتا كثيرة من حياة المتعلم، بل كان المتعلم يجمع بين تعلم القرآن الكريم والعمل به، وفقه أحكام الدين، وبين الكسب الخلال والجهاد لتكون كلمة الله هي العليا. إلى جانب اكتساب الخبرة في السياسة، فكان من الصحابة مقرءون وأئمة ورؤساء دولة وسفراء وولاة ودعاة إلى الله ومجاهدون في سيل الله، وكلهم تخرجوا من المدرسة النبوية الشريفة…
ويبدو أن المسلمين اليوم بحاجة ماسة إلى مراجعة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن اقتفى آثارهم في التربية والتعليم (بناء مسلم) …فهذا الأسلوب التقليدي الذي نسلكه في التعليم وإن كان قديما في البلاد فإن فيه ملاحظات كثيرة ينبغي الوقوف عليها ..
لاشك أن القرآن الكريم جمع كل ما يحتاج إليه المسلم من العلوم التي يقوم عليها قوام الحياة، ولكننا نبقى متخلفين عما يرتقي به الأمم الأخرى من العلوم التي نقضي سنوات عديدة في بلادهم لتعلمها…
فمتى يعود التعليم الديني إلى سيرته الأولى والتي كونت الرعيل الأول من أئمة الإسلام في السنغال من أمثال قاضي عمر فال والشيخ سليمان بال والإمام عبد القادر كان وغيرهم من الأئمة الذين أقاموا دولا إسلامية، والتي جمعت كل مقومات الدولة الإسلامية في عهدهم ..؟
في الحقيقة، أن مسلمي السنغال اليوم بمسيس الحاجة إلى السعي الحثيث نحو تأسس مدارس أو جامعات اسلامية يدرس فيها الطفل كل ما يحتاجه من القرآن الكريم والعلوم الدنية والمادية ليضمن بدلك مخرجات قادرة على مواكبة العصر والمساهمة في الحياة الامة دون أن يحتاج المرء إلى العبور من المدارس العلمانية التي تربي أبناءها على فكرة إقصاء الدين من الحياة العامة وتزرع في نفسه أخلاق الرذيلة.. والنظر إلى الدين بعين الرجعية وأنه ينحصر في زاوية ضيقة بين المأذنة والمسبحة بعيدا عن المعاملات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. واعتقد أن تأسس مثل هذا المعاقل التربوية الكبيرة لا يتأتى إلا من خلال المؤسسة والعمل الجماعي بعيدا عن المؤسسات الفردية التي تفتقر إلى أشياء كبيرة بسبب أنها ملك شخصي بحت..
وخلاصة القول: إن القرآن الكريم كتاب الله المقدس الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فتحفيظه من واجبات المسلمين الكفائية وهو الأساس في تعليم المسلم ليرتفي إلى العلوم الدينية التي بها يصح تعامل العبد بينه وبين ربه وبينه وبين خلقه … وليصل إلى العلوم المادية التي بها نهضة الشعوب ورقيها .. ..
أما أساليب التربية والتعليم فاجتهادات بشرية لاتزال في حاجة إلى تطوير دائما نحو الأفضل …….

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: