مقالات

مقال: الأستاذ “بابكر غي” اسم يبقى في ذاكرة الدعوة والعمل الخيري.. الجزء الأخير

بقلم: الأستاذ فاضل صار

الجزء الأخير

الأستاذ بابكر غي المعلم والمفتش

 ولما رجع الخليفة بابكر غي من تونس عين مدرسا ومعلما للغة العربية في إقليم كاولاخ ثم في إقليم دكار ب( فان هوك ) ثم في ( امبامبلور) وأخيرا عين في تياس مسقط رأسه.

وكان معلما بارزا ذا ثقافة عالية، مقداما يرتقي العلو، لذلك شارك في مسابقة اختيار مفتشي التربية التي تعتبر أعلى رتبة في التعليم، ونجح فيها، وبعد التكوين في كلية العلوم وتكنولوجيا التربية والتكوين عين في مقاطعة تيواوُن عاصمة سميه الخليفة أبي بكر سه – رحمهما الله تعالى -.

الأستاذ بابكر غي الداعية والحركي

الأستاذ بابكر غي من الجيل المستعربين ذوي الحس الإصلاحي الذين لم ترتح ضمائرهم ولم تطمئن نفوسهم من الرواتب التي يتقاضونها من الحكومة السنغالية مقابل الأوقات التي منح لهم من التدريس فيها، ومن أبرز هؤلاء المربي الجليل أنموذج هذه الدراسة المرحوم الأستاذ مالك انجاي، وكان ينكر بالشدة على المعلمين الذين يستغلون بقية أوقاتهم في مشاريع استثمارية ربحية غير دعوية، وسنأتي إليه في الفصل اللاحق، فكان من الحيل الشرعية والمخارج التي تبنوها لاسترضاء نفوسهم أن جندوا أنفسهم كدعاة في سبيل الله وتعليم أبناء المسلمين، وذلك بتنظيم دروس مسائية مجانا، مما أسهم في إنشاء جيل مستعرب مثقف داعية إلى إصلاح مشروع ديننا الحنيف. ولقد نجح الأستاذ بابكر في هذا المجال فخلف أسماء لامعة ذكرهم تلميذه الوفي الدكتور الحاج موسى، على سبيل المثال، فيقول: ” وهناك أسماء كثيرة تخطر ببالي، وتعلق بذاكرتي، من الدارسين الأوائل في هذا المركز، مثل : عبد الله توماس، وعبد الوالي جنغ، ومحمد نان جوب، وعثمان امبي، وشريف بار، ومختار مار، وباب جوف، ومامور خولي، [1]ومرتضى خولي رحمه الله، وموسى غي، وباب غالي سار، وباي صمب غي، وحسين صو رحمة الله عليه، وباب جو رحمة الله عليه، ومدون امبي، وسادي غي، ومحمد فال، وباب جوب، وسرين صو… وكنت أصغر فتى في المجموعة حتى سموني بـ” ابن عباس” تيامنا بابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وبسبب صغر سنه من بين الصحابة – رضوان الله عليهم جميع -ا[2]. وهذه الأسماء من بين كبار لتعلم مبادئ علوم دينهم وصغار لتعلم مبادئ اللغة العربية والعلوم الدينية، والتأهل لتحمل عبء الدعوة الإصلاحية كالدكتور الحاج موسى فال الذي هو الآن قيادي في جماعة عباد الرحمن ومستشار في السفارة السنغالية بالجمهورية الإسلامية في إيران.

تحتوي هذه الصورة على سمة alt فارغة; اسم الملف هو image.png

الأستاذ بابكر غي المجند والمستقطب

 كان الأستاذ بابكر غي داعية حركيا نشطا، دقيق الملاحظة، خبيرا بالنجابة والمثل من النشء، فكيف لا، وهو من المهندسين الرئيسيين لإنشاء كبرى الحركات الإصلاحية في غرب إفريقيا عامة والسنغال خاصة، وهي جماعة عباد الرحمن المباركة، زادها الله توفيقا وسدادا، وللوقوف على قدرة فقيدنا في التجنيد والاستقطاب نسرد قصة لقائه بتلميذه الوفي الدكتور الحاج موسى فال الذي يعد من القادة البارزين للعمل الإصلاحي في قطرنا، وعلى فكرة فهو من أسرة متدينة محافظة، تتحسس خيفة للدعوات الجديدة، ككل أسرة في مجتمعاتنا، فاستطاع الأستاذ بابكر من انتشاله في عقر دار أبويه راضيَيْن مستبشرَيْن، يقول الدكتور الحاج موسى فال ساردا القصة العجيبة:

كانت علاقتي به وثيقة، ومرافقتي إياه دائمة، وصحبتي له سعيدة. فمتى بدأت معرفتي وعلاقتي بالأستاذ العظيم بابكر غي ؟

   لنترك والدتي العزيزة تجيب على هذا السؤال، وتحكي لنا قصة لقائهم الأول بأستاذنا. تقول الوالدة: “جاء الأستاذ بابكر غي ذات يوم إلى والدك، فسلم عليه وعلينا جميعا، وبعد تبادل التحايا والسلام قال له : يا عم سبب مجيئي إليكم اليوم – بعد الزيارة – هو طلب الإذن منكم لترسلوا معي موسى حتى أدخله في مدرستنا الجديدة، معهد عثمان انغوم، لقد وجدته فتى يحب العلم والمعرفة، مجتهدا في سبيل التحصيل العلمي. فرد عليه والدك قائلا : ” يا أستاذ بابكر، عندما أكمل ابني موسى تعلم القرآن الكريم، كنت نويت أن أجمع له مبلغا من المال ليمتهن في التجارة. ولكن بما أنّكم أهل العلم والمعرفة، رأيتم أنه أهل لمواصلة دراسة اللغة العربية والعلوم الشرعية ، فلا مانع أن تذهب به إلى تلك المدرسة، وأن تعتني به، فأنت محل ثقة عندي. لقد نذرت منذ ولادته أن أجعله هدية لله سبحانه، وعليه، فلم أرسله إلى المدرسة الفرنسية كإخوته”. ثم أردفت والدتي قائلة: هذا هو سبب مواصلتك للدراسة، والتحاقك بمعهد عثمان انغوم، ودخولك في مدارس (عبادو)، واتخاذك التعلم والتعليم مهنة في الحياة. إن الفضل فيما أصبحت عليه اليوم يرجع إلى الأستاذ بابكر غي[3]

 هكذا استطاع الداعية الحكيم والمربي الهادف أن يستقطب شابا من خيرة شباب الحركة فصنعه داعية مثقفا، وقائدا إصلاحيا، ودبلوماسيا محنكا.

الأستاذ بابكر غي الأب والمربي ( مدرسة الإله نموذجا école yalla )

 الأستاذ بابكر غي كان مربيا من طراز نادر، يصنع العجائب في مجال التربية، وربما ساعده على ذلك تخصصه في مادة التربية، ومزاولته تلك المهنة طيلة حياته، إضافة إلى العلاقة الوثيقة التي للتربية مع الدعوة الإصلاحية التي سخر حياته من أجلها.

ولقد ذهب تاركا وراءه ذكريات خالدة في أذهان أسرته وأصدقائه رفقاء دربه، ولعل أحسن مثال على تركته التربوية القيمة هو القصة العجيبة التي حكاها نجله محمد غي عن ( مدرسة الإله )، وما أدراك، ما ( مدرسة الإله )، يقول نجله محمد غي – حفظه الله – :

” مدرسة الإله ” إنها قصة أسرة من أب وأم وأولاد، فالأب متخصص بتربية أطفال بلاده، وكذلك الكبار، وربما استفاد منه الكبار أكثر، وفي الحقيقة كان يغرس وعيا في مريديه ومحبيه الذين يتابعونه، حيث أسهم لتوجيههم إلى سبيل الرشاد في حياتهم.

والأم كانت تعمل كمساعدة اجتماعية جمعتها مع الاعتناء بالشؤون المنزلية، من رعاية النشء الذين رزقها الله من زوجها المربي، وكانت فخورة بهذا الدور.

والأولاد كانوا واعين بما ينتظره والداهم من الالتزام الديني والخلقي والجد في الدراسة لمواكبة الحياة، وكانوا أكثر من عشرة.

وكان يسود في البيت الثقة المتبادلة، والتفاهم والتشاور، واحترام الراي الآخر.

وغالبا ما يقوم الأب في الأوقات المضنية بوضع كرسيه على الرأس حاملا مذكرته وقلمه في اليد للخروج، مع إعلان الوجهة التي قصدها، وربما يغفل عن هذا الاعلان، فاستوقفته أصوات الأولاد سائلين:

  • إلى أين تذهب يا أبتاه؟
  • إلى مدرسة الإله!

جواب غريب، أب متخصص في التربية، يذهب إلى مدرسة الإله، لفعل ماذا؟ للتدريس أم للتعلم؟! أسئلة كثيرة ترد في أذهان الأولاد، ولحسن الحظ الجو الأسري الموائم يدفعهم إلى طرح أسئلة أخرى:

  • أين توجد مدرسة الإله؟
  • ما ذا تفعل في مدرسة الإله؟
  • من هو معلمك في مدرسة الإله؟ وهكذا دواليك…

أسئلة كثيرة مطروحة يتبعها دائما نوعان من الجواب:

  • لنذهب معا أريكم، ولكن بشرط أن لا تزعجوني في العمل، والرجوع إلى البيت مباشرة؛
  • اتركوني أذهب بعد الرجوع سأخبركم عما جرى.

وعند اختيار مرافقة الأب يتقاسم الأولاد الأمتعة التي أعدها الأب المربي بعناية فائقة، وبعد المشي بدقائق قليلة يأخذ الأب الكرسي ويضعه تحت شجرة قائلا: هاهنا مدرسة الإله!

ياله من دهشة وخيبة الأمل مع صمت مطبق!

جلس الأب على الكرسي واضعا قدميه على الشجرة، ينظر في الوثائق واحدة تلو أخرى، والأولاد يلعبون في جانب.

وبعد دقائق عدة يأمر الأب الأولاد بالرجوع إلى البيت مزودا إياهم بعضا من النقود، ولكن السؤال يلح على الأولاد:

  • ما ذا يفعل الأب وحيدا هنا؟!

وبعد سنوات توفي رب الأسرة تأتي الأسرة الشهادات من كل صوب تخلد ذكرى الأب المربي، وما كان يقوم به من أعمال البر في التربية والتوجيه، ولقد ترك للأسرة والأولاد إرثا مشجعا وكنزا ثمينا، من أصدقاء أوفياء وكتب قيمة، من مختلف التخصصات، وأم صالحة واعية، وتربية سليمة محصنة.

ولما فتشت مكتبة الأب  وقورنت معها شهادات أصدقائه توصلنا إلى أن الأب كان يخطط في مدرسة الإله كيف يحسن علاقاته مع ربه، وكيف يطور عمله، ويعد الموضوعات لمحاضراته ودروسه، وكان يتأمل في تزكية النفس والتربية الروحية ثم يرجع الأسرة ويخصها بتكوين من نفحات خلواته في مدرسة الإله[4].

هذه خلاصة قصة مدرسة الإله التي كانت مفعمة بالعبر والدروس، ومعبرة عما لهذا المربي بابكر غي من إبداع وتفان في تربية النشء وتوجيه الأمة المسلمة في هذا البلد.

وفاة الأستاذ بابكر غي

يوم وفاة الأستاذ بابكر غي كان يوما رهيبا، تجمهر في تياس آلاف من المشيعين، من المستشفى الإقليمي إلى منزله، في حي ( إرسان) وإلى المقبرة، حيث تتقاطع الوفود مدهوشة باكية يتيمة، والكل مجمعون على عدم شهود حشد شعبي مثله، من بكرة أبيهم، إلى أن قال أحد محبيه حالفا بالعزيز الغفار، وكأن قد غلب عليه الحال، ( لو تيقنت بأنني لو مت ستشيعني هذه الجمهرة التي شيعت الفقيد بابكر غي لدعوت الله أن يقبضني في هذا اليوم! ).

 ومن حسن الفأل في اللحظات الأخيرة للفقيد الأستاذ بابكر غي أن أخبر أحد الذين شاهدوا احتضاره بأنه كان يذكر اسم كاتب هذه السطور ويوصيه بالصلاة! ويتأكد هذا الفأس الحسن وصول خبر وفاته على الكاتب وهو في الصلاة، لقد دق الهاتف، وبعد التسليم، فإذا بالمتصل يعلن الفاجعة، إنا لله وإنا إليه راجعون.

ومن أحسن الفأل أن النوبة التي أودى بحياته أصابته وهو في درس تفسر للقرآن الكريم، في تيواوُن حيث يزاول مهنته ومرقد سميه الخليفة أبي بكر سه – رحمهم الله تعالى جميعا – فحمل إلى المستشفى فانتقل إلى رفيق الأعلى في ثالثة عشر من رمضان شهر الله الفضيل.

لقد ذهب الأخ المازح، ذهب المعلم، ذهب المربي، ذهب الداعية، ذهب الحركي، ذهب المجند، ذهب المستقطب، ذهب صديق الشباب في جماعة عباد الرحمن ومرشدهم، ذهب الإصلاحي، ذهب الخليفة بابكر غي إلى لقاء ربه، بتاريخ 13 في شهر الله الفضيل رمضان 1417هـ الموافق 22 يناير 1997م.

اللهم اغفر له وارحمه وأدخله فسيح جناتك.


[2] – انظر: فال، الحاج موسى، الأستاذ بابكر غي كما علمني، مشروع كتاب أعد 26 يناير 2020م، في حوزة الباحث، ص12.

[3] – انظر: فال، الحاج موسى، الأستاذ بابكر غي كما علمني، مشروع كتاب أعد 26 يناير 2020م، في حوزة الباحث، ص11.

[4] – انظر: غي، محمد، مدرسة الإله école yalla، حوار وتواصل مع نجل الفقيد محمد غي بن بابكر غي، 23 مايو 2020.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى