أخبار

مشكلتُكِ – أيّتُها السنغال
مشكلةُ التمرّدِ على الدّستورِ والأخلاق

أبوبكر. السنوسي

مظاهرُ التنمُّر سادتْ على حياةِ الإنسانِ بحقبٍ طويلةٍ ، خاصة في ظل النزاعات والمناوشات القائمة بين الشعوب المختلفة من حيثُ الجنسُ والعرقُ ، والانتماءُ جغرافيًّا تارة بين القيادات التقليديّة ، في أماكنِ الرّعي والصّيدِ والدّفئ ؛ فرّختْ تلك النزاعاتُ حروبًا ذات طابعٍ دمويّ وبسُوسيّ ، وأمام تطور الفكر الإنسانيّ الذي شعُر ضرورةَ تنظيم تلك النشاطات بشكلٍ يستسيغه الجوّ المدنيّ والحضاريّ ، تمخض من هذا الفكر الحضاريّ ، تشكيل دستور يقوم بدور الفكّ والتسوية للنزاعات والمناورات الحاصلة في مُلتقيَاتِ الشعوب لممارسة نشاطهم الطبيعيّ ، وبتحديد معالم الهويات داخل قارةٍ معيّنةٍ .
والدّستور عبارة عن مجموعةٍ من القوانين ذات ارتباط وثيق لتراث الشعوب الثّقافيّ والتاريخيّ ، أو ذات صبغة إقليميّة عندما يكون الشعب مغلوبا بأمره أمام نفوذ سياسيّ وسلطويّ ، دستورٌ ينطبع مع القيم والأخلاق والتقاليد التي لها اتّجاهٌ دينيّ أو ثقافيّ أو مجتمعيّ تارةً ، عاش عليها الشعبُ ردحا من الزمنِ ؛ بغرضِ تنظيم علاقاتهم ، ونشاطهم في مجالاتهم الحيويّة ، حتّى يسودَ فيها نوعٌ من الأمن والاستقرار .
للسنغال دستورٌ وقيمها التاريخيّة والأخلاق ، المستقاة من القيم الإسلاميّة السمحة : قيمة السماح ، والتعاون ، والتضامن ، والإيثار ، وردّ العدوان ، وإغاثة اللهفان والتائهِ بأمرهِ ، وهذه القيم جاءت جرّاءَ اعتناق سكانها الدّينَ الإسلاميَّ ، وما زالت تحدد مسار سلوك الشعب السنغاليّ والفكري في ممارسة نشاطِهِ وإقامة العلاقات بين بني جنسه والأجناس الأخرى داخل الوطن وخارجهِ .
وفي ظلّ اعتراك المصالح والأغراض ، بمستواها السياسيّ والمُجتمعيّ ، الذي أدّاه الكشفُ عن المنظومات السياسيّة والمجتمعيّة تنضوي تحتَها مفاهيمٌ وقضايا منطبقةً على واقعِ المحللين في هذين المجالين ، لهم انتماءهم الجغرافيّ والعقائديّ ، تختلف جذريا عن القيم الإسلاميّة وتقاليد سكانِها ، ومحاولة تطبيقها على الواقع السنغاليّ ؛ كلّ ذلك أدّى إلى تمرّد الشعب السنغاليّ أمام دستورهم والأخلاق والقيم ، فنتج عن هذا التمرّدِ انتشارُ اللامبالاة ، والعنجهيّة في ممارسة نشاطهم الحيويّ وعلاقتهم فيما بينهم ، ويضاف إلى ذلك سيطرة النّظم الأوليغارشيّة في مجالاتهم الحسّاسة ، المجال الصحي والإداريّ والتربويّ ، دون أدنى اهتمام للجانب الهيراريكيّ لتشخيص القضايا العارضة ، ومناقشتها مع الجهة المسؤولة والنشطاء فيها ، النظم التي تاريخيا كادتْ تقضّ مضاجعَ الدّيموقراطيّة في أثينا ، في ظلّ النظام الأرستقراطيّ الذي يكون الحكم فيه على يد فئة معيّنةٍ .
وواقع السنغال الحالي واقعٌ يرثى له ؛ لأنّ لم يعد للدستور والأخلاق يقودان حياتَهم نحو توفير بنى التعايُشِ والاستقرار بين الأفراد ، ولم تزلِ القوانين التي ضمها الدستور عاجزةً عن تطبيقِ الأحكامِ على المتمردين ، والقائمين بأعمال إجراميّةٍ ، بشكلٍ ينطبق رسميا ما في الدستور ، والأخلاقُ عفى عليها ريحُ التطور والحداثة ، وبلورت وهنَها في ضبط سلوك المواطنين ، وتوجيهه نحو سلوك إنسانيٍّ متزن ، والوضعيّة المتردية التي يعيشها الشعبُ السنغاليّ في مجالهم الحيويّ ، في هذا الوقت بالذات ، بجوهرها ليست مسألة العجز الدستوريّ في تطبيق الأحكامِ ، بقدر ما تكون مسألةَ الأخلاقِ والقيمِ ؛ لأنّ الأخيرةَ هي التي تحمي الدستورَ وتضمن له البقاءَ والاستمراريّةَ ، وتنمّ عن مركزيّتِهِ .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: