مقالات

لماذا الشتائم .. ؟

أحمد جه
تستفزنا الأحداث فنرفع القلم ونكتب رغبة في الإفادة، أو حرصا على

التأثير، أو تخلصا من هواجس مزعجة، أو مخيفة، ولكل إنسان مايستفزه في هذه الحياة.. وأكثر ما يثير قلمي للكتابة ـ منذ أمد ـ أحداث تمتّ إلى الطفولة بصلة…
ذهبت مع الزملاء الطلاب إلى حقل “الدارة”، نحرث الأرض معا بالأدوات التقليدية “غُوبُّه”، وفي حقل مجاور هناك ثلاثة أطفال تتقارب أعمارهم، وهم يحرثون أرضهم، أو أرض آبائهم بمحراث شبه تقليدي، يجرّه حمارٌ، ويمسك على مقبضيه أكبرُهم سنّا، ويقود الحمار أصغرُهم، بينما يحثّ الحمار أوسطُهم بعصا يهزّها، وبكلام يردده. هكذا يبدو لي المنظر، وأنا ألحظهم من مكان بعيد نوعا ما، وقريب إلى حدّ ما. كان منظرا جميلا بل رائعا، تُوحي إلى أسرة درّبت أطفالَها مبكرا في فنون الزراعة المهجورة من أغلب شباب المدن، ومن كثير من شباب القرى المتشبِّهة بالمدن…
فرحتُ بهؤلاء العمال الصغار، وشغفتُ بروعة المشهد، لولا ماعكّر تلك الروعة من كلمات غامضة تحملها الرياح إلينا، إذا هبت نحونا، وإلى غيرنا ـ ربما ـ إذا هبت نحو غيرنا. لم أكن أتبيّن ما أسمع بسهولة أو وضوح. بل رأيت أن أكبرهم يلوّح بيده، ويصوّب سبّابته نحو أصغرهم. يهاجم أحياناً ويحجم تارة، كأنه يشتم ويفور ويثور. يهدأ قليلا ويتزلزل كثيرا، فيتعرقل سيرُ الحِراثة، وتكثر التوقّفات التي يتأخر بها العمل، وتُبطئ بها مسيرة المحراث.. توقفتُ عن العمل، وتوقف زملائي الطلبة الفلاحين، وصوّبنا جميعا مرايا العيون تجاه ذلك المشهد الغير العادي، ولحُسن أو سوء الحظّ، حملتْ رياح الشمال آخرَ ما صدر من كلمات كبير صغار العُمّال، فإذا هي شتائم من أقبح الأصناف، وتهديدات لايُتوقع حدوثُها يوما في الدنيا ولا في الآخرة. نعم، إنه اليقين بل أُذن اليقين وعين اليقين. إنه شتائم قائد متهوِّر، أو صدى مُتصدِّر لم يتنعّم بالتربية الأساسية الصالحة، أو حكاية والد أو أخ كبير، غاب عن المسرح ليمثّل هؤلاء الأطفال دوره بجدّيّة وتفان.. فما أروع الأطفال حين يقلّدون الكبار، يُعطون الأدوار حقّها، ويمهرون في التمثيل والمحاكاة، وينبّئونك عن مخبر الأبطال الأصليين…
قلت في نفسي: لا شكّ أن هذا القائد الصغير لم يجرّب هذه الشتائم من أول يومنا هذا، ولم يتقلّد هذا الدور لأول مرة في طفولته، وإنما هو نسخة طِبق بطله (الأب أو الأخ الكبير أو أو..) كما أنّ الضحيّة نسخة تتكرر حسب السيناريوهات.. وتمثلتْ اليوم في أصغرهم، بعدما تمثلتْ كثيرا ومدة طويلة في أكبرهم، على مدار الأيام الخالية، كما يبدو… وقد حان له أن ينتقم لنفسه، ولأمثاله اليوم، في غياب الأبطال الوهميين في فنون الشتائم والسباب، وأراد أن يبرهن لنفسه ولضحاياه أنه كفؤ أو كفيّ بل متقن يستحق شهادة الكفاءة الأخيرة بعد هذه المواقف.
لماذا الشتائم؟
سؤال يلحّ كثيرا عندما نسمع الشتائم تنفلت من الأفواه، من أفواه الكبار والصغار، ومن الرجال والنساء، ومن الآباء والأمهات، ومن المعلمين والتلاميذ، في المنازل والشوارع، وفي الأسواق والملاعب، وفي المدارس… وقد وصل الحال أن ترى الأصدقاء والزملاء يتمازحون بالشتائم، ويضحكون عليها، ويتلذذون بالخزي والعار وقول الزور.
الشتائم تؤشر على ماذا؟
إنها ظاهرة اجتماعية، تحمل دلالات سلوكية مهدِّدة لكيان مجتمع الفضيلة، مما يدعو المربين إلى وقفات تأمل عميق، للوصول إلى أصدق ما يؤشر عليه هذه الظاهرة.
ما علاقة الشتم بالعنف؟
وكيف يجرح الشتيمة كبرياء الإنسان، ويكْلم قلبه؟
وكيف يغرز الشتمُ الضغائنَ في قلوب المستضعفين الذين تُوجّه إليهم الشتائم جهرا، ويوجهونها إلى المستكبرين سرا؟
فما أصدق قول الرسول الحبيب! صلي الله عليه وسلم: “من أكبر الكبائر أن يشتم الرجل والديه، قالوا كيف يشتم الرجل والديه؟ قال: يشتم أبا الرجل فيشتم أباه، ويشتم أمه فيشتم أمه” نعم، إن الشاتم سيُشتم لا محالة، سرا أوجهرا.
ما مدى خطأ الوالدين، عندما يشتمان عيالهما أو أمامهم؟
وهما القدوة الحسنة أو السيئة للعيال. والأطفال عليهما أمانة، يُسألان عنها أمام الله سبحانه.
والذين يقولون: إن الشتم تفريغ طبيعي للشحنات الجبروتية الموجبة أو السالبة، وكبتُها مما يورث انفجارات نفسية عميقة، تودي بحياة كثير من رجال الدين الملتزمين، والممتنعين عن الشتم.. هل هؤلاء محقّون أم مبطلون؟
راودتني هذه الأسئلة وتداعياتها، برهة، قبل أن أنصِب آلتي اليدوية “غُوبُّه” وأُودّع زملائي، وأحثّ خُطاي نحو المشهد… وصلتُ إلى الأبطال الصغار، وسلّمت عليهم، ومازحتهم واستعرت مِقبضيِ المحراث لأندمج في نشاطهم ـ والاندماج من شروط القَبول ـ تعارفتُ معهم، وقدّرت جهودهم بكلمات الثناء ـ وفتح القلوب قبل فتح الحديث ـ وتأكدت مما سمعت عن بعد من كلمات، هل هي شتائم أو أوهام من ترويج الشيطان؟ فاستحيوا وأقروا، وسألت عن العلاقات الدموية بينهم، فوجدت أنهم أشقاء. هنا وجهت نصائحي إلى بطل المشهد: ألم تعلم أن شتيمتك على أخيك تتوجّه إليك في الدرجة الأولى، فأنتما من أب واحد وأمّ واحدة؟ ألم تعلم أن الله يعطي باللطف مالا يعطي بالعنف؟ و”ما دخل الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه” واعلم أنه من أصعب المهمات قيادة حمار عنيد من طفل صغير، وخاصة، إذا لذع حرّ الظهيرة.. فارحم صغيرك والطف به ينشرح قلبك وينشط جسمك، أنت ومن معك، ويسهل عملكم، فتحرثوا وتَفلحوا وتُفلحوا…
ولما انصرفتُ عنهم، ورجعت إلى من كنت معهم في الحقول، رأيت الأبطال الصغار يعملون أكثر هدوء وأوفر نشاطا وأحزم خُطى مع الحمار ومع المحراث…
وقلتُ في نفسي: حقا إن للكلمات أثرا، وفي التعامل مع الأطفال بالحكمة ثمرا!
أما تلك الأسئلة المثارة ـ قبل انطلاقي إلى الأبطال الصغارـ فلكل مدرسة من المدارس؛ في علوم الاجتماع وعلوم النفس وعلوم السلوك وعلوم التربية وعلوم الدين نصيب موفور لمحاولة إجابتها أو بعضها، ولو بعد حين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. الشكر لهذا الأشمط البارع بإلقاء النصيحة والإيعاز لكل من يخشى ويسمع قول الناصحين قال تعالى:{سيذكر من يخشى}.فلاشك لدينا بأنك جعلت البلاغة والفصاحة ماء شربك السائغ ،فليتضح الله لنا طريق الموصل إلى منزلتكم الرائقة بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى