مقالات

لماذا أحب الشيخ علي الطنطاوي وأدبه..؟

الحاج مود ساخو

إنّ الغالبيّة العظمى من الأدباء والكَتبة والمُفكِّرين الّذين قرأتُ وأقرأ لهم لا أدري كيف اكتشفتُهم بالضّبط، أكان عن طريق مُصادفةٍ، أكان عن طريق منشورٍ لصديقٍ في الفيس، أكان عن طريقِ مُحاضرةٍ استمعتُ إليها والتقطتُّ فيها اسمهُ، أكان عن توجيهٍ من قارئٍ مُلمٍّ بالكتب خبيرٍ بالكتّاب الكبار، لستُ أدري ! وعليٌّ الطّنطاوي فقيه الأدباء وأديب الفقهاء ليس استثناءً من هذه بالطّبع.

المهمُّ أنّ اكتشافي إيّاه وتوجُّهي إلى قراءة كُتبه كانا نعمةً لا تُقدَّر بثمنٍ، ومادّةً خصبةً لذيذةً في تغذية حياتي العقليّة والأدبيّة والفكريّة، ذات مرّةٍ سمعتُ أحدهم يقول ما محتواه = إنّ الكتاب الجيّد هو الكتاب الذي لا يعطيك معلوماتٍ وأفكارًا جديدةً، ولكنّه يدعم ويرسِّخُ معلوماتِك وأفكارك السّابقة بأدلّةٍ واضحةٍ وحُجج مقنعةٍ. لا أحكم عن مدى دقّة هذه الفكرة، ولكنِّي أقول : إنّها تنطبق كثيرا على أدب عليٍّ الطنطاوي، فأنتَ مع كتاباتِ ومقالات الطّنطاوي أمام منجمٍ أدبيٍّ ثريٍّ، كل ما فيه لؤلؤٌ أصيلٌ مَعصومٌ من الغشِّ الفكريّ والمغالطة المنطقيّة، والتّفسلف الملتوي المتخبّط، لا تقرأ مقالةً للطّنطاوي إلا و تشعر بأنّها تخاطب فطرتك التي فطر اللّه النّاس عليها، كأنّها تقول لك : لا يغرّنَّك أحدٌ فتنسلخ عن جوهرك، فإنّك هكذا بخيرٍ، لا تتّبعْ خطواتِ شياطين الأدباء، وأبالسة الحداثيّين فيضلّوك عن غاية الأدب النّبيلة. ! ممّا يميِّز الطّنطاوي أنّه لم يقع في فخِّ ” فصل الدين عن الأدب ” لذلك لم يغرق في التيّار التغريبيّ، بالرّغم من سرعة انتشار اسمِه في أبرز المجلّات المعروفة بمصر والشام، ولم يتورّطْ قلمُه في مستنقعات بعض القضايا الخاوية، ولم ينشغل فكرُه في الدّعوات القوميّة والوطنيّة الطّائشة، التي قضى فيها كبارٌ كان لهم شأنٌ في حياة القلم زهرةَ أعمارهم، وكانت لهم في تلك الدّعوات صولاتٌ وجولاتٌ طاحنةٌ، لم يكن لها كبيرُ ثمرةٍ، ولا صغيرُ فائدةٍ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صُنعًا، كان أدبُ الطّنطاوي يجمع بين سموِّ الغرض، وسلاسة الأسلوب، وإمتاع القارئ، وإيقاظ الضّمير، وينضاف إلى ذلك شيءٌ أسمى وأرقى ممّا سبق كلِّه، وهو غرسُ الاعتزاز بالهويّة الدّينيّة في نفوس النّاشئين، فهو من بواكير مقالاته في العشرينات من عمره، إلى ذكرياته التي أودعها زبدة تجاربه في الحياة التعليميّة، والصّحفيّة، والقضاىيّة، والدّعويّة، بما في ذلك رحلاته داخل العالم العربي والآسويّ، لم ينحرف عن الغاية الكبرى التي سخّر لها قلمَه، وهي خدمةُ دينه وأمّتِه ولغته، مستخدمًا في سبيل ذلك موهبتَه وقدرتَه في التعبير والإمتاع، فكتاباته كلُّها في التعليم، والتّربية، والثّقافة، والأدب، واللّغة، والتّاريخ، والحياة الاجتماعيّة بشكلٍ عامٍّ، تنصبُّ في هذا القالب.
لهذا أحببتُه وعشقتُ كتاباته، وأدمنتُ قراءتَها. !

أمّا بعدُ : فليس من عادتي توجيهُ أحدٍ إلى كاتبٍ أو أديبٍ أو شاعرٍ معيَّنٍ، للقراءة والاطّلاع على تُراثه، فأنا أقول دائمًا لمن يعرض عليَّ هذه المسائل : عوِّدْ نفسك الصّبر على القراءة، فإنّ ذوقك سيُولّيك شطر المُبدع الذي يلائمُك. ولكن أرى بكلِّ صدقٍ أنّ القراءة لأدب مصطفى لطفي المنفلوطي، وعليٍّ الطّنطاوي، = ضروريٌّ لكلِّ ناشئٍ متأدِّبٍ، فإنّ أدب هذيْن العلميْن يعلِّم النّاشئَ الصّدقَ في الإحساس، واالنّهوض للفضيلة، والغيرة للعرض والشّرف، والاعتزاز بالأمّة والوطن، والانتماء للدّين الحنفيّ القيّم، وهو من قبلُ ومن بعدُ نظيفٌ من العهر والدّعارة،مصون من الغوغائية والسفسطة، معصوم من الأفكار السخيفة الهابطة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى