actualite

كيف تفهم كتب مصطفى صادق الرافعي ..؟

د.محمد موسى كمارا
علّقت قبل أيّامٍ على كلام لصديقي الأديب محمّد بركات، فقلت: “وأظنُّ ظنّاً أشبه باليقين أنّ إتقان من جعل هواه في كتب الرّافعيّ، لكتاب (حياة الرّافعيّ) لمحمّد سعيد العريان؛ من أمتن الأسباب المؤدّية به إلى الوقوف على جوهر هذا الرّجل العظيم الذي كان إماماً من أئمّة العربيّة، وأميراً من أمراء البيان”.
والوقوف على جوهر الرّافعيّ هو فهم أسلوبه في الأدب، واستيعاب منهجه في التّناول والمعالجة، والإلمام بطريقته في الدّفاع والرّدّ، وهذا ما وقفت عليه عن تجربةٍ ومِراسٍ خلال قراءتي لهذا الكتاب في زمنٍ مضى، وقد استفرغ العريان كلّ طاقته في جلاء حياة الرّافعيّ فصلاً فصلاً، واجتهد في ردّ كلّ ما كتبه وألّفه إلى أصله وسببه، حتّى كشف للقارئ ما ينبغي أن يبدأ به من كتب الرّافعيّ على التّرتيب؛ ومن ذلك أنّه ذكر مثلاً: “وتُعتبر كتبُه الأربعة: حديث القمر، ورسائل الأحزان، والسّحاب الأحمر، وأوراق الورد وحدةً يتمّم بعضها بعضاً؛ لأنّها جميعاً تنبع من معنى واحدٍ، وترمي إلى هدفٍ واحدٍ، وإن اختلفت أساليبها ومذاهبُها”.
وله حديثٌ مفصَّل عن شعر الرّافعيّ، وعن كتبه المطبوعة جميعاً، وهي: ملكة الإنشاء، وتاريخ آداب العرب، والكتب الأربعة المذكورة، والمساكين، والمعركة تحت راية القرآن، وعلى السّفّود، ووحي القلم؛ وهو بأسلوبه الرّشيق الذي لا يُملّ، يلخّص هذه الكتب، ويذكر أسباب وضعها، ويوضّح دوافع تأليفها، وله خلال ذلك كلّه كلامٌ عزيزٌ عن جوانب خفيّة من حياة الرّافعيّ، لا يعثر الباحث على بيانها في موضعٍ آخر؛ ومن أجل ذلك كان هذا الكتاب، في نظري، منطلقاً يجب أن يصدر عنه من رغب في قراءة الرّافعيّ، وأسلوب العريان من الأساليب الفريدة في عالم الأدب العربيّ؛ فهو يُمتع ولا يُملّ، ويبيّن ولا يُبهم، والقارئ بروعته مأسورٌ، وبجماله مسحورٌ، وبرشاقته مبهورٌ حتّى نهاية الكتاب.
وإذا فهم قارئ هذا الكتاب ما فيه، زال عنه عسر فهم أدب الرّافعيّ، الذي تجري أقلام بعض الكتّاب بالمبالغة في تصويره ووصفه، والتّهويل من شأنه وحاله، وليس لذلك علّة غير الجهل، وقد أحسن أحمد حسن الزّيّات حين قال: “فإذا قيل لك إنَّ الرّافعيّ قديم الأسلوب في التّفكير والتّعبير، فاحمل ذلك على الحسد الذي لا حيلة فيه، أو على الجهل الذي لا حكم معه”، وصدق فيما قال!
وقد ذكر العريان سببين رئيسين يمنعان ناشئة المتأدّبين أن ينفذوا إلى الرّافعيّ، أو يتأثّروا به، فقال: “فالرّافعيّ أديب الخاصّة، كان يُنشئ إنشاءَه في أيّ فروع الأدب؛ ليضيف ثروةً جديدةً إلى اللّغة، تعلو بها، وتعزّ مكاناً بين اللُّغات؛ وشبابنا أصلحهم الله لا يعرفون الأدب إلّا ملهاةً وتسليةً، لا ينشدونه للذّة العقليّة، وسموّ النّفس، ولكن ينشدونه لمقاومة الملل، وإزجاء الفراغ؛ فهذا سبب.
والثّاني أنّ الرّافعيّ – رحمه الله – لم يكن يكتب الكتابة الصّحافيّة التي يُنشئها أكثر كتّابنا ليتملّقوا غرائز القرّاء بالعبارة المتهافتة، والقول المكشوف. وعند المتأدّبين من ناشئة اليوم أنّ قيمة الأدب هي بمقدار انطباقه على أهواء النّفس، وارتياحها إليه، وقدرتها على أن تُسيغه بلا تكلُّفٍ ولا عناءٍ”.
فإذا أقبلت على أدب الرّافعيّ قارئاً، فأقبل عليه وأنت تنشد اللّذّة العقليّة، وسموّ النّفس، وابحث فيه وأنت تعتقد أنّك تواجه أديباً يُلزمك تدقيق النّظر في معاطف كلامه حرفاً حرفاً، وكلمةً كلمةً، وجملةً جملة؛ حتّى تدرك السّرّ الذي طواه، والغرض الذي أراد إخفاءه بحسن مهارته، أمّا أهل الملهاة والتّسلية، وأصحاب مقاومة الملل وإزجاء الفراغ؛ فمكانهم في الرّوايات والقصص لا في كتب الرّافعيّ؛ وليسوا لتحصيل الأدب الحقّ بأهلٍ.

كاتب وباحث من غينيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى