مقالات

كلمة عن الأستاذ برهام جوب في ذكرى وفاته

عرفت فقيدنا العزيز الأستاذ ابراهيم محمود جوب “برهام ” وأنا شاب يافع أختلف الى معهد الحاج عبد الله نياس في حي سام بمدينة كولاخ لطلب العلم ..وكان الأستاذ برهام في ذلك الوقت قدوة ومثالا لحملة الثقافة العربية في السنغال. .كان ضلوعه في لغة الضاد مضرب مثل وحسن أدائه وتفننه في استخدام الصيغ العربية مثيرا للإعجاب ..وكان المرحوم إذا تحدث أسعد الحضور و أطربهم وإذا حاضر أفاد وأقنع ..كان ابراهيم محمود ذا أسلوب متميز في القاء المحاضرات لاستحضاره في كل محاضرة يلقيها أو كلمة يدلي بهاالقاعدة البلاغية ” مطابقة الكلام لمقتضى الحال ” .

أذكر أول لقاء جمعني بالاستاذ برهام في بداية سبعينيات القرن الماضي ..وكان اللقاء في متجر التاجر اللبناني المثقف السيد لطفي أيدوس رحمه الله في السوق المركزي الكبير بمسقط رأسي كولاخ ، وكنت أهرول الى التاجر اللبناني مرة في كل أسبوع ليزودني بالمجلات العربية التي كانت ترسل له من بيروت وفرنسا ومصر مثل : الحوادث ، والهلال ، والمستقبل ، والصياد ، والوطن العربي . وغيرها وكنت فرحا بتلك المطبوعات العربية حريصا عليها ، أقرأها واعيد قراءتها مع قصر باعي في التعبير في ذلك الوقت ، وضعف مستواي في المواد اللغوية ..دخلت ذات يوم متجر السيد لطفي فإذا ببرهام جوب جالس معه يتعاطيان فنجاني القهوة ..فتراجعت فقال صديقي اللبناني: تعال يا فاضل لأقدم لك الأستاذ ابراهيم جوب فتقدمت مصافحا للأستاذ برهام فسألني : اين تدرس ؟ ففلت له : في معهد الحاج عبد الله نياس ..فأردف
الأستاذ :في أي سنة ؟ قلت : السنة السالسة فقال مبتسما : السنة الثالثة ..فشعرت بالحياء لأن الأستاذ قوم نطقي في تواضع ولطف دون أن يجرح شعور الطالب المبتدئ أو يحطم معنويته ولا يستغرب عليه ذلك لأنه تتلمذ على شيخه المربي شيخ الإسلام ” الشيخ إبراهيم نياس ” ..ثم قال لي : حاول دائما أن تخرج الحروف من مخارجها ..فشكرت الأستاذ على النصيحة ، وعملت بها دائما بعد ذلك الموقف .. وكنت كلما جمعني بأستاذي برهام لقاء ذكرته بذلك وكان يضحك ضحكته الجميلة والمهذبة في الوقت نفسه ، ثم يقول : لكنك الآن أصبحت استاذا كبيرا في اللغة العربية يا فاضل .. ” فأرد قائلا : ” أمامك يا برهام أعتبر نفسي قزما أمام عملاق ..فلما عزمت على إصدار مجلة باللغة العربية زرته في مكتبه بشارع “جورج بومبيدو” وسط مدينة دكار لأشاوره فاختار لي اسم الصحوة .. وظل موجها لي ومستشارا ومشجعا لنا حتى وصلت الصحوة الى ما وصلت اليه اليوم ، وكان من أهم الأخبار التي نشرت في الصحوة في بداياتها خبر منح الأستاذ إبراهيم جوب وسام الشرف من المرتبة الأولى من قبل الرئيس المصري آنذاك محمد حسني المبارك ، و نشرنا بجانب الخبر قصيدة التهنئة التي قالها فيه صديقه الشاعر اللبناني فتى الدواوير في مناسبة هذا التكريم المصري الكبير للعبقري الفذ جاحظ العصر الحديث لغة وتعبيرا وأداء، وكان مطلع القصيدة :
تتوج برهام تاج العلا * وذلك كان بفضل السما
وهكذا كان فقيدنا الغالي إبراهيم محمود جوب يعلمنا في تواضع ويرشدنا بالحكمة ندعو الله تعالى أن يغفر لأستاذنا ” برهام ” ويدخله فسيح جنانه .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مقال رائع لكاتب متميز . عن شخصية تاريخية فريدة. لا يعترف الفضل لاهله الا فاضل.. دام قلمك المعطاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى