أخبار

في ظلال مقاصد التوحيد

مقاصد التوحيد مفهومها وأهميتها

د. نجوغو صمب

أولا : مفهوم مقاصد التوحيد .
للتوحيد غايات عظيمة وثمرات دانية، مختلف أكلها تسقى بماء واحد، قال السعدي رحمه الله تعالى ((كم للإيمان الصحيح من الفوائد والثمرات العاجلة والآجلة، في القلب والبدن والراحة، والحياة الطيبة، في الدنيا والآخرة…، ومجملها أن خيرات الدنيا والآخرة، ودفع الشرور كلها من ثمرات هذه الشجرة)) ، وهذه الثمرات الدانية تقطف من جميع فروع شجرة الإيمان، فهي ثمرات مختلفة ومن فروع متعددة ومتنوعة، فهناك فرع الإيمان بالله، وفرع الإيمان بالملائكة، وفرع الإيمان بالرسل، وفرع الإيمان بالكتب، وفرع الإيمان بالقدر، وفرع الإيمان باليوم الآخر وهكذا، ومن جميع ثمرات هذه الفروع يغتذي قلب المؤمن وتزكو نفسه وتطهر روحه.
وقد شبه الله تعالى كلمة التوحيد بالنخل، وشبه منافعه بثمراتها، قال تعالى {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} ، وفي الآية الكريمة ذكر لأربعة من أوجه الشبه بين كلمة التوحيد وهذه الشجرة المباركة وهي: الطيب والحسن، الثبوت والرسوخ، الرفعة والكمال، البقاء والاستمرار.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال)) أخبروني بشجرة تشبه أو: كالرجل المسلم لا يتحات ورقها، تؤتي أكلها كل حين)) قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر، وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم فلما لم يقولوا شيئًا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هي النخلة))، قال ابن القيم رحمه الله تعالى ((الشجرة لا بد لها من عروق وساقٍ وفروع وورق وثمر، فكذلك شجرة الإيمان والإسلام؛ ليطابق المُشَبَّه المشبَّه به؛ فعروقها العلم والمعرفة واليقين، وساقها الإخلاص، وفروعُها الأعمال، وثمرتُها ما توجبه الأعمال الصالحة من الآثار الحميدة …)) .
وبناء على ما سبق من أدلة شرعية وتقريرات لأهل العلم الراسخين فإن مقاصد التوحيد هي: ((ما يترتب من الإيمان بالله تعالى وسائر أركان الإيمان من منافع وثمرات في الدين والدنيا والآخرة)).
ثانيا : أهمية مقاصد التوحيد.
إن لمقاصد التوحيد أهمية كبرى وفائدة عظمى، بالنسبة لكل مسلم يريد أن يعبد الله تعالى مخلصًا له الدين، وأن يكون على بينة من أمر دينه، ومن أهمية مقاصد التوحيد ما يلي:
1- مقاصد التوحيد أهم المقاصد الشرعية.
ولأن التوحيد هو أعظم المطالب وأجل من سائر العلوم والمعارف، كانت مقاصده من الأهمية في الدرجة الأولى، فهي أول ما يجب تحصيلها والعناية بها علمًا وعملًا وتفعيلًا، قال العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى (( أفضل أوصاف الإنسان العرفان، وأفضل العرفان معرفة الديان…)) ، وقال الشاطبي رحمه الله ((كل علم شرعي فطلب الشارع له إنما يكون من حيث هو وسيلة إلى التعبد به لله تعالى، لا من جهة أخرى، فإن ظهر فيه اعتبار جهة أخرى؛ فبالتبع والقصد الثاني، لا بالقصد الأول…)) ، ولا شك أن التوحيد هو العبادة الخالصة لله تعالى، ولا يقبل الله تعالى أي عمل إلا إذا قصد به وجهه الكريم، قال تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} .
2- التوحيد هو معيار الهداية.
التوحيد هو معيار الهداية والضلالة، وبه التمييز بين الإيمان والكفر، والتوحيد والشرك، وبتحصيل مقاصده وتحقيقها علمًا وعملًا يتفاوت المؤمنون، ويتفاضل الموقنون، قال تعالى {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } ، وقوله{ فَإِنْ آمَنُوا} (( يعني اليهود والنصارى{بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ } أي بما آمنتم به ومثل صلة فهو كقوله: {ليس كمثله شيء} أي ليس مثله شيء وقيل: فإن أتوا بإيمان كإيمانكم وتوحيد كتوحيدكم {فَقَدِ اهْتَدَوْا } : والمعنى إن حصلوا دينًا آخر يساوي هذا الدين في الصحة، والسداد فقد اهتدوا)) ، وكذلك لا يصح إيمان من جاء بعد الصحابة رضي الله عنهم حتى يؤمن بمثل إيمانهم، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
3- التوحيد هو طريق الولاية والنصرة.
تحقيق التوحيد هو سبب محبة الله تعالى وطريق ولايته ونصرته، فلا يكون العبد محبوبًا عند الله ومن أوليائه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون إلا إذا حقق مقاصد التوحيد، قال تعالى {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} ، قال السعدي رحمه الله: ((وحاصل ذلك: أنه يخرجهم من ظلمات الشرور المتنوعة، إلى ما يرفعها من أنوار الخير العاجل والآجل، وإنما حازوا هذا العطاء الجزيل: بإيمانهم الصحيح، وتحقيقهم هذا الإيمان بالتقوى، فإن التقوى تمام الإيمان)) .

4- التوحيد سبيل الفلاح والنجاة.
وتحقيق التوحيد هو سبيل النجاة في الدنيا والآخرة، قال تعالى {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} ، وقوله { أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ …}: ((أي هؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له هم الآمنون يوم القيامة والمهتدون في الدنيا والآخرة )) ، وفي الآية الكريمة أن الله تعالى شهد لأهل التوحيد والطاعة بالهداية في الدنيا، وضمن لهم الفوز بالجنة في الآخرة والنجاة من النار، وعن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتاني آت من ربي، فأخبرني – أو قال: بشرني – أنه: من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة)) قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: (( وإن زنى وإن سرق)) ، قوله ((دخل الجنة)) : قال المناوي رحمه الله ((فلا بد من دخوله إياها إما ابتداء إن عفي عنه أو بعد دخوله النار…)) .
5- معرفة مقاصد التوحيد تشرح الصدور للإسلام وتحبب الإيمان إلى القلوب.
فمتى عرف العبد مقاصد التوحيد وحصّل من منافعه وأسراره العظمى، كان ذلك سببًا في انشراح صدره للإسلام ومحبة قلبه للإيمان، يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله ((ومن الأسباب الجالبة للإيمان: معرفة محاسن الدين، فإن الدين الإسلامي كله محاسن، عقائده أصح العقائد وأصدقها وأنفعها…، وبهذا النظر الجليل يزين الله الإيمان في قلب العبد، ويحببه إليه)) .
يتبع ….

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى