أخبار

عن كتاب “منحنة فتاة” للأخت الفاضلة خديجة بنت سيدينا

المختار السالم

ليس تقديما ..

ذات مرَّة، وكان الوقت عصراً في “زيرة المداح”، ببيداء منطقة “الآبار” في مقاطعة واد الناقة؛ عثرت على مخلاة ساقطة على أثر دارسٍ، وحين فتحتها وجدتها مليئة بالفستق فالتهمتها لتصيبني بالخدرِ جراء أيام الجوع حتى نمت لأستيقظ منتصفَ الليل على رائحةِ العطر والقرنفل والبخورِ وهمسٍ غير بعيد. وكانت تقول لصاحبتها “أسرعي بتبديل الملحفة حتى لا يستدلون علينا برائحتها”.
أحكمتُ في رأسي إحداثيات المكان، وزحفتُ بهدوء حتى ابتعدتُ فأسرعتُ الخطى لأخبرَ “الرجال”، الذين جاؤوا واستخرجوا كنزهم، ولم أحصل على أي مكافأة بل ربما أصابتني لعنة الكنوز، ففي الغد ضربتني صويحباتُ العروس حتى فقدت الإحساس برابعة النهارِ.
لقد مضت “أيام الأسبوع”، الطقس الأكثر غرائبية بين أعراس العالم، وتستعد “الفتاة” لعبور سنة أولى زواج، وما يزال عليها أن “تُـثبِّتَ” حتى “تُـثبَّتَ” كعتبة دار في مفازات البدو الرحلِ.
سيكون عليها أن تخوض تحديات عديدة، تبدأ بعالم شبه سريالي في مختبرِ اجتماعي شغال بالعادات والقيم، ولكنَّ هذه “الفتاة البيظانية”، التي تبدأ لــمّ الشمل بالفرقة الرمزية “الترواغ” هيَّ ذات الفتاة المترحلة أو المرضعة على “ظهور العيس” تحت القيظ الرهيب والشتاء القارس المشيب، هي منجبة “علماء شنقيط” وأدبائها وفرسانها وصفات أخرى.
إنه ما من “التحام أسريٍّ” يبدأ بفرقة رمزية غير هذا الذي تهندسه أو تطلسمه أو تبلمسه المرأة الصحراوية، الأيقونة الساحرة في الجمال، الأخلاق والتربية، الصمود والتحدي الخرافيِّ أمام كل الظروفِ، حتى أن هذه التي كانت يوما ما معبودة مجانين وفرسان وشيوخ ومجاذيب وصلحاء وبدلاء، ارتقت إلى شرف عابدة توطِّن لحاظها في قلبِ الشريكِ، وتعطر الدرب أمام ثمرة كبدها مهما كانت قوة المعاناة، واستشواكِها على مسافة الحفرِ.
لا أعرف لماذا استحضرت اللقطة الأولى من واقع حياتي في الطفولة، وأنا أقرأ هذا الكتاب “منحنة فتاة”، والذي اختار له الناشر عنوان (حتى يظلّ النخيلُ وفياًّ لسمْته… الكلمات القانية لسيرة أمّ طالبة بين العواصم والمستشفيات).
على مدار ثلاثة عقود حاولت ضمن “شلة الرفاق” الانحياز ثقافياً إلى “قضايا المرأة” الصحراوية أو الموريتانية (وتعبير الصحراوية أفضل وأدق في نظري)، وبدأت بشيئين: نظرياً فتح أول حوارٍ أو سجالٍ حقوقي مكتوب عن المرأة في تاريخ الإعلام الموريتاني من خلال مقال “نعم لحرية المرأة.. ولكن”، وميدانياً من خلال حملة المؤازرة للنساء المبدعات، والأمهات الكادحات والنساء المناضلاتِ، بل وحيثما كان للتاء المفتوحة أن تتمدد على خارطة الحقّ، الحقوق، الحرية.
لقد كانت المعاناة شديدة في دعم الشاعرات والأديبات والكاتبات، والفنانات، خاصة رائدات تحديث الأغنية الموريتانية، وكانَ الرد الاجتماعي أجاجاً في بعضِ تجلياتهِ حين تعلق الأمر بالمشاركة الحاسمة إعلامياً ودعائياً في الدفع بالمرأة نحو الوظائف، المسؤوليات، القيادة والريادة في الإدارة والتسيير والسياسة.
لقد كان لنضال رفاقي من الواجهة والخلفية، دور محوريّ في أن تصبح “دولة الكتاتيب” نموذجاً يُحتذى في حرية المرأة في العالم العربي. فأصبحت المرأة الموريتانية جزءً لا يتجزأ من المنظومة الانتخابية والإدارية للدولة والأمة.
وكان من أبرز من شاركوني مساري الميداني: رأياً وعملاً، أخي ورفيق حرفي ودربي المفكر والكاتب د. بدي أبنو، بدّي المرابطي كما يسميه ناشره، الذي ساهم بقوة في توجيهي، ولو أنه حاول قدر الإمكان الابتعاد عن “الواجهة الرسومية” في “خوارزمية” هذا الفعل الحضاري النضالي الحقوقي الفريد الذي يسجل لجيلي بما له وما عليهِ.
كان عقد الثمانيات بمثابَة “الخطّ الزمني الأحمر”، خط العبور بالقضايا الفكرية والنضالية من مستنقع العقول الظلامية وتماسيحها المتربصةِ بسلاح الفتاوي الريفية حيناً، واليدِ واللسان والرصاصِ حيناً آخر.. وبين تلك المستنقعات البرزخيةِ عوالم من المثبطات التي لا يعلم خلفيتها إلا الله.
نجحتْ النساء الموريتانيات في تخليصِ الإسلام العظيمِ من “منظومة اجتماعية” كادت تطيحُ بالكلِّ خارج الملة، وهن إن شاء الله قيد استبدال الظلام بالنُّور، والجهلَ والتخلفَ بالعلم والثقافةِ، والسباتَ والتغييبَ بالوعي والفكرِ والتفكيرِ.
طيلة العقودِ الماضية كان على شهود المعركة أن ينوبوا عن الأطراف المتحاربةِ. على الأقلّ حينَ نستوحي بعض الصيغ من تراثنا مع السلوكِ المناخيِّ.
وخلال الثلاثة عقود الماضية حاولتُ وعايشتُ تجارب نسائية فريدة في هذا المجتمع، إنها ملاحم سطرتها نساء كادحات، كان العرق عطرهنَّ، والطوى خبزهنَّ، وكانت إرادتهنَّ تحني أعتى الظروف فولاذية. لقد جسَّدنَ الأمل والصمود والإصرار الصوفيّ على قهر المستحيل والانتصار على المعوقاتِ والدفع بالمستحيل نحو الإنحناء أمامَ نضالهنَّ.
لقد جسَّدنَ العظمة البشرية في الحلم والتفوقِ بـ”الأنا” على “الأنا” وعلى الآخرِ وعلى “أناه”، جسَّدنَ أروع الأمثلة في الثباتِ الفخم على قمم التحملِ.
إنَّ القصة التي سطرتها أنامل الطالبة الأم (الأستاذة البارزة حالياً) المناضلة خديجة بنت سيدينا من واقع عاشته وعايشته ضحية من ضحاياه، وبطلة من أبطالهِ، لهي قصة تنتمي إلى التجارب الإنسانية السامية، إلى المثل العليا في الكفاح البشري، الذي يصل ذروته مع امرأة تربي وتتعلم وتخوض صراع بقاء مع اللحظات الاجتماعية النيرونية الكالحةِ.. واثقة من النصرِ دون أن تفقدَ إيمانها أو ملحفتها.
إنَّ الكلماتِ البسيطة ظاهرياً في هذه القصة الملحمة، كفيلة بأنْ تمنح القراء زوايا متعددة للنظر في عِـبَـرِ هذه التجربة الإنسانية وتقدير خبرها المختوم بالشمع المضيءِ.
إنّ لي الشرف كأحد العاملين في مشروع “منشورات خديجة بنت عبد الحي” بأنْ أضع بين يدي الجمهور تجربة هذه المرأة العصامية، والأم المثالية، والإنسانة الصبورة الكادحة.. إنها تستحق أن نُـبشِّرَ بين الناس بأمثالها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى