مقالات

مقال: عبــد اللـه جـاه”.. أسوة حــسنـة في علوِّ الهــمِّة والإيــثـار!

أ. علي كاه

الناس معادن كمعادن الأحجار، فمنهم الكريم الشجاع الذي يعطي ويبذل من القليل الكثير!، ومنهم الشحيح الذي يمنع من الكثير القليل. وبين هذين الحجرين مقتصدون

والبذل والإنفاق من مكارم الأخلاق اللذان ينبعان من معين الشجاعة التي تُعدّ ركنا من أركان الأخلاق الفاضلة، كما قال ابن القيم رحمه الله: (وحسن الخلق يقوم على أربعة أركان لا يُتصور قيام ساقه إلا عليها: الصبر والعفة والشجاعة والعدل).
فوصف الشجاعةبأنها:( تحمله على عزة النفس وإيثار معالي الأخلاق والشيم وعلى البذل والندى؛ الذي هو شجاعة النفس وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته، وتحمله على كظم الغيظ والحلم؛ فإنه بقوة نفسه وشجاعتها يمسك عنائها ويكبحها بلجامها عن النزغ والبطش كما قال: “ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب”. وهو حقيقة الشجاعة، وهي ملكة يقتدر بها العبد على قهر خصمه).

وقد قرن الله -جلّ في علاه- الإنفاق بالإيمان في مواضع كثيرة في كتابه ليكون دليلا له، وفتنة لمُدّعيه؛ فقال الله تعالى:( ألم ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ )البقرة: 1،2،3
وقال تعالى:(لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ…) الآية البقرة:177
وقال الله تعالى :(وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا)النساء:39
وقال تعالى:(آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) الحديد:7
والآيات في ذلك أكثر من أن تحصيها هذه الأسطر.

وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أكمل الناس خلقا وجودا، فكان كالريح المرسلة،ويعطي عطاء من لا يخشى الفقر.

ففي خِضمِّ تلك النزاعات والخصومات المُتكرّرة المتعلقة بالأراضي التي عرفها السنغال منذ فترة ليست قصيرة، والتي شاهدنا من خِلالها هَدْم أركان بيوت -بُنيت غالبها من رَحِم التّعب، والكدّ الدَّؤُوب في عزِّ الليل، وتحت لهيب الشمس- بأيدي الجشع والأَثَرَة، تلك الأيادي القاسيّة التي لم ترحم همّ شيخ أصابه الكِبَرُ وله ذرية ضعفاء، ولم تبال بدموع اليتامى، ولا أَنِين الثكالى.

ففي سياق هذه الأحداث المؤلمة، والمناظر المُروِّعة طلع رجل شجاع، ذو همّة عالية، وإنسانية عَذْبة، ليضرب أرقى الأمثلة في الرحمة والبذل، والإيثار، حيث حصل له نزاع في قطعة أرض شاسعة ذات قيمة عالية، تربو على ألف مليون فرنك إفريقي! -حسب تقديري- بين ما ينيّف على مائتيْ أسرة، فرُفع القضية إلى القضاء، وبعد التحقيق وضرب الحجة بالحجة، حَكم القضاء لصالحه؛ مُعلنا أن الأرض له، وله أن يهدم كلُّ ما شُيِّد على تلك الأراضي، من البيوت البالغة مائتين وخمسة وأربعين بيتا، فأظلّ على أولئك الأُسَر، وأرباب البيوت غَيْم الحزن، وهمّ التشريد، وأقبلوا على ليالي حالكة، فبينما هم على تلك الأحوال؛ فإذا بالشجاع يتنازل عن حقِّه، ويجعل الأراض لأولئك الأُسَر!

فدخل بهذا التصرف الشريف، والجود الحاتمي التاريخ من أوسع أبوابه، وذكّر بسير أسلاف كِرام أمثال عثمان بن عفان، وعبد الله بن المبارك، -رضي الله عنهما-، ونال به ثَناء الناس ودعاءهم، ومحبتهم، وستظل تلك البيوت على تلك الأراضي علامة جود، وعنوان شجاعة وكرم لهذا الرجل الشَّهْم المُتَذَمِّم -إلى ما شاء الله-، بعد أن كان مثلا يَحتذي به أُلُو اليَسار، فينفقوا مما جعلهم الله مستخلفين فيه؛ من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خُلَّة، وليُغِيثوا بما آتاهم الله من فضله البُؤساء من الففراء، فيتطهّرون بذلك من فَضَلات الشُّحّ، وأَرْدان الجَشَع، فكم من فقير مُعدم يستغيث ولا ناصرله، وكم منهم من مشير بيديه الغوث الغوث لكن لا بصر لمن يُشار إليه!.

والمال قِوام الحياة، وبه تصلح الدنيا، وتستقيم الحياة، لذلك ما خلق الله الخليقة، ولا أوجد الدنيا إلا وجعل فيها ما يكفي العباد، وما أتى الفقر، والمسكنة إلا من حاكم مُستَأْثِر، أو غنيًّ لا يُزكِّي فا الله عدل، ولكن الناس يَجُورون.
قال الله تعالى:( وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ)
(وقوله : ( وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا . . ) معطوف على ( خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ ).
( وَبَارَكَ فِيهَا ) أي: وجعلها مباركة زاخرة بأنواع الخيرات والمنافع، عن طريق الزروع والثمار المبثوثة فوقها، والمياه التى تخجر من جوفها، والكنوز التى تحصل من باطنها). انظر الوسيط للطنطاوي- رحمه الله-

فجزا الله الأخ عبد الله جاه خير ما جزى به كريما عن كرمه، وأصلح له النِّيَّة والذُّرِّية وبارك في ماله، وجعل ما قدّم في ميزان حسناته يوم لا ينفع مال ولابنون، فقد أثلج صدورا، وأرقّ قلوبا؛ بهذا التصرف النبيل والموقف الشريف.

29 يناير-2021 مدينة اتيلونج بفوتا طور.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق