
طيف الوباء
من النصوص الفائزة في مسابقة موقع “رفي دكار “
رجعتُ إلى الدار كالعادة في وقتٍ متأخر من الليل بعد أن كانت بوادر النعاس تَنتابني كل لحظة، وكان الليل حالكا انقضى ثلثه الأول، والسماء مُتلبد بالغيوم، والرياح تعصف بعنفٍ من كل جانب، ولمعان البرق يلوح من كل جهة.
كنت أركل مهرولا بين ذلك البرق وتلك الرعود ، متجه إلى الدار ، خائفا مرتعشا، مردّدا هذه الآية الكريمة : (يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته).
فسرعانَ ما وصلت إلى الدار حتى دخلت غرفتي وارتميت فوق سريري بهدوء، ودون أن اخلع ثيابي، وهنا..
بدأت قطرات المطر تتهطل بتوال ، تدقُّ السقف دقّا قويًا ، وتضرب الارض ضربا عنيفًا ، فماهي الّا ثوان حتى نمت نوما عميقا لأنسى كل همومي فعندما ننام ننسى كل شيء.
وبينما كنت غرقا في النوم حلمت حلما غريبا أتاني خلالها طيف عجيب ظهرت في وجهي فتاة حسنة المظهر، أنيقة الملابس، جميلة الوجه، لا تكاد ترى لشدة الضوء الذي يحيط بها.
قالت تريد أن تخبرني بالخطر الذي سيأتي ويستغرق العالم بأثره، فسألتها عن أي خطر تتحدث لكنها لم تفسر لي أي شيء ، سألتها اسمها فقالت اسمها: مستحضرة النور ثم اختفى…
لم تمض الا ساعات قليلة حتى سمعت المؤذن يفوه بعبارته الشهيرة التي يقولها في آذانه الأخير في كل فجر: ( الصلاة خير من النوم ، الصلاة خير من النوم).
وإذ ذاك سمعت خطوات أمي تمشي ببطء نحو الباب ، ثم طرقت الباب ببضع طرقات كعادتها في كل يوم وكل طرقة ترافقها هذه العبارة يا بني: ( قم من نومك حان وقت الصلاة)
نهضت من نومي فجأة وسرعت إلى المرحاض، فتوضئت ولبست ثوبا دافئا ثم توجهت نحو المسجد لأصلي صلاة الفجر مع الجماعة ، وإثر دخولي في المسجد تنحيت ناحية وصليت ركعتين ثم جلست انتظر الامام ليؤمنا ركعتي الصبح ، وكنت ألتفت يمينا ويسارا فلم أر الا كهولا يبلغون من العمر سبعين فما فوق ، أو على الأقل ستين ، ولم أر أحدا من أترابي يقضي الصلاة معنا في المسجد في ذلك الوقت الاّ صبيا واحدا كان أقل مني سنّا ، وكان الشيوخ جلسين في الصف الاول ، وفي يدا كل واحد منهم سبحة يهمس فيها بكلمات لا تكاد تسمع وفي ذلك الحين دخل الامام ، فقام الناس فورا ثم قال الامام بصوت خافت أشبه من الهمس : أقم الصلاة ، وبعد أن قام واحد في الصف الأول بالإقامة ؛ قال الامام مرة أخرى وهذه المرة كان بصوت جهوري” : سووا صفوفكم يرحمكم الله. “
رجعت إلى الدار بعد أن قضيت الصلاة ثم دخلت مباشرة إلى غرفة أمي وكنت معتادا بذلك لأنها كانت تجبرني على ذلك بغية أن أستمع معها ذلك الحديث الصباحي الذي كان يجري في الاذاعة Side fm
بدلا من أن أنام مجددا، وكان يتحدث فيها في ذلك الحين الأستاذ العملاق “أستاذ مصطفى غي “ ورغم قصدها النبيل هذا الا أنه هذه المرة لم يمنعني من النوم، فقد نمت نوما لابأس بها ، وأثناء نومي عاد إلي ذلك الطيف تسوده ذلك الضوء المتلألأ يدعونني بـصوت هادئ ويكرر اسمي وكنت أحاول أن أجيب ، لكن بلا جدوى ، لأني لم أطيق ولو النطق بكلمة ، حاولت مرارا لكن كانت مجرد تلعثم لا معنىً لها ، وكان الطيف يقترب إلي شيئا فشيئا ويزداد جحمه في عيني وكنت أتساءل نفسي ماذا تريد بي هذه الفتاة ؟
اقتربت أكثر ثم همشت في أذني هذه الكلمة:
“كورونا “
ثم بدأ حجمها ينقص شيئا فشيئا ويختفي قليلا قليلا.
انصرف الطيف وانصرف معه النوم ، فنهضت من السرير مهمومًا خلجا بأثر ذلك الطيف الذي كان يراودني في النوم قبل قليل ، كنت أحدق النظر إلى جميع زوايا الغرفة ، ولم أر شيئا…
سألتني أمي ماذا حدث ؟ أجبتها بشيء من الاضطراب
لا شيء يا أمّاه لا شيء…قالت لم يحدث لك شيء ؟ قلت: طبعا لا يا أمي.
وفي ذلك الحين دخلت إلينا أختي الكبيرة ثم قالت: أمي هل سمعت الخبر ! سألتها أمي أي خبر ؟ قالت الجائحة!!! قالت لها أمي أي جائحة ؟
فقالت: كورونا.
هنا اتضح الي الامر وأدركت معنى الكلمة التي كانت مستحضرة النور تهمشها في أذني.
إنها جائحة كرونا التي أحاطت العالم وتتحدث بها جميع الناس.
إنها كرونا التي أغلقت المدارس بسبها.
نعم هي هي.
مالك جانج – الكبريت
حرر في فاس بمغرب 29/04/2021



