مقالات

طائفيٌّ محترقٌ!

د.محمد موسى كامارا

كان يعلّق عندي معلّقٌ، كان في عداد المتابعين، ولم يكن في قائمة الأصدقاء، وقد كنت أعلم من خلال اسمه أنَّه شيعيٌّ، ولكنّني بحكم المنهج الذي أسير عليه في معاملة الطّوائف، لم أحظره ولم أعامله بطريقةٍ مباينةٍ لطريقة تعاملي مع الآخرين، فأنا غسلتُ يدي من الطّائفيّة غسلًا تامًّا كما بيَّنت ذلك في كلمةٍ سابقةٍ، ولكنَّ هذه الطّائفيّة إذا غلى مرجلها في قلب الطّائفيّ، فإنّه لا يستطيع على حرارته ومراراته صبرًا، فيبحث عمّن يفيضُ عليه ماءه السّاخن، ليحترقا به معًا، فقد شاء هذا الرَّجل المعلّق المتابع الذي لم أعترض عليه من قبل، أن يسلّم عليّ في (الخاصّ)، مرفقًا سلامه العاجل بهذا السّؤال: (لا أعلم لماذا لا تجيب على سؤالي بما يخصُّ حديث الثّقليْن).
وسيرًا على منهجي أيضًا، في عدم الاجتراء على ما لا أحسن، أو ما لا يجوز لي أن أنتصب له حكمًا ذا قولٍ أفتي به العباد، فقد رددتُ على هذا السّائل بأن يسأل غيري من علماء الحديث روايةً ودرايةً، فهم أولى منّي بالقول والبيان، وأظنّ هذا جواب رجلٍ محتاطٍ ينزل العلم حيث ينبغي إنزاله، ويتبرّأ ممّا ليس له، وكان حسب السّائل، لو كان سائلًا متفقّهًا لا متعنّتًا، أن يشكرني على إكرامي للعلم، وينتقل إلى غيري طالبًا للإجابة، ولكنّه يراني صيدًا ينبغي اصطياده! فغلى ماء المرجل وله نَشِيشٌ، (النّشيش هو صوت القدر إذا غلى فيه الماء)، وأخذ صاحبنا يعلّمني تفسير الآيات، وتأويل الأحايث، وبيان ما آتاه الله من حسن الرّأي والبصر؛ ومن علمه الغزير الفيّاض الذي يستقي منه الفرات ودجلة، ويستقي منه نهر النّيل ونهر النّيجر، ونهر مسيسيبي في أمريكا = أنّ الله تعالى قال: (وما أتاكم الرَّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، وما قال: اسألوا المتخّصص، فجائزٌ له أن يسألني! وهذا التّفسير، كما ترى، من صاحبنا البحّاثة الجليل، لو رقيت به الثّكلى لذهب حزنها وألمها على ولدها الفقيد.
وبما أنّه زعم أن يُفهمني العربيّة، حتّى أتاني بهذا التّفسير الذي لا ريب في أنّه من غرائب الدّهر ومضحكاته، فقد بيّنت له تجاوزًا في النّمط الذي جرى عليه سؤاله: “لا أعلم لماذا لا تجيب على سؤالي بما يخصُّ حديث الثّقلين”، وهو نمطٌ باطلٌ في العربيّة التي رُوي بها حديث الثّقلين! لأنّه لم يكن قد ألقى عليّ هذا السّؤال من قبل، فباطلٌ كلّ البطلان أن يقول: (لماذا لا تجيب)، وكأنّني قد سُئلتُ فأبيتُ، ثمّ سئلتُ فأعرضتُ، ثمّ سئلتُ فضربت عنه صفحًا فأتى إلى الخاصّ، وهذا لم يحدث البتّة، فسؤاله تجاوزٌ وكذبٌ وفسادٌ، وإن يكن لم يقصد هذه الثّلاثة، فأولى به أن يتعلَّم العربيَّة قبل الانشغال بحديث الثّقلين، وإقامة الدّنيا على أعقابه بلا إقعاد، وتطويق العالم بالجدل الفارغ المتنفّخ كالبالون.
وقد أراد هذا الحريص على فهم حديث الثّقلين، بعد أن رأى إعراضي عن الإجابة، وطعني في نمط سؤاله، أن يتّهمي في حبّ رسولنا المصطفى الأجلّ محمّد، صلى الله عليه وآله تسليمًا كثيرًا، فراح يقول: (أنا أعلم جيّدًا أنّ النّبيّ محمّدًا صلّى الله عليه وآله لا يعنيكم، وإنّما كلّ الذي يعنيكم هو ما قال الرّجال وما قال هواهم)! صمْ رجبًا تقضِ عجبًا.
أيعلّمني هذا الرّجل حبّ رسولنا الكريم الذي كتبتُ عنه مرارًا، ودافعت عنه تكرارًا، وسُمِّيتُ به حبًّا وتيمُّنًا، وأفنيتُ من عمري ما أفنيت في تعليم البردة والهمزيّة للبوصيريّ، والوسائل المتقبّلة للفازازيّ، وقرأت الشّفا للقاضي عياض، والشّمائل المحمّديّة للتّرمذيّ، ودلائل النّبوّة للبيهقيّ، وغيره من كتب السّير والأخبار النّبويّة مرّاتٍ ومرّاتٍ، ثمّ لا يمرّ عليّ يوم دون أن أقرأ في كتب الحديث حبًّا واستمتاعًا وامتثالًا لهذا الحديث! أفعل ذلك كلّه حبًّا لرسولي، وللدّين الذي أتى به، وللسّنّة التي دعا إليها، أفيتوهّم هذا الطّائفيّ المحترق، ومن على شاكلته من الطّائفيّين المحترقين، أنّ من لم يكن مثلهم في سوء الظّنّ، والولوع بالجدل، والإكثار من اللّجاج، فهو غير مهتمّ برسولنا ولا بآل بيته عليهم الصّلاة والسّلام، وإنّما هو متعبّد بأقوال الرّجال وأهوائهم! صم رجبًا ترَ عجبًا مرّةً أخرى.
وقد حظرته جرّاء هذا الكذب الصّراح، ولكن ليعلم غيره أنّنا ربّيْنا على حبّ المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، وهو حبٌّ سيط بدمائنا وأنفاسنا وبكلّ ذرّة فينا، وحديث الثّقلين على أيّ وجه صحّ، فمنهجنا هو العمل بالقرآن، واتّباع السّنّة، وتوقير رسولنا وآل بيته أجمعين، ولا أريد من أحدٍ أن يحمل إليّ خبائث هذه الطّائفيّة تارةً أخرى، شيعيًّا كان أو غير شيعيّ، فإنّها ليست من الباب الذي أهتمّ به، ثمّ إنّني أعافها جدًّا، وأكرهها جدًّا، ولا أقف عليها عقلًا ولا عمرًا.

كاتب وباحث من غينيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: