أخبار

سيف الحق : صفحات من تاريخ شيوخ الأزهر (2)

لم تكن قرية بطرة أحد قرى المنصورة شمال مصر تدرك أنها ستهدي التاريخ رجلاً قل الزمان أن يجود بمثله ، متفرداً في الحق اسماً وقولاً وعملاً، مع بزوغ فجر 13 جمادى الآخرة سنة 1335 هـ ،5 إبريل 1917 م خرج إلى دنيانا طفلاً لأب عرف عنه الصلاح والورع والتقوى هو الشيخ على جاد الحق وكان بيته مستودعاً لأمانات الناس في زمانه، وكان من المعمرين الذين عاشوا عمراً طويلاً قارب التسعين عاماً،وشاءت إرادة الله أن يكون من بين سبعة أبناء ، وشاء قدره أن يكون وحيد أبويه من الذكور ، ورأى والده علامات النبوغ ترتسم على وجه الغلام الصغير منذ نعومة أظفاره فوجهه ولده إلى كتاب القرية ليحفظه القران ويعلمه مبادى الدين ثم يلحقه بالأزهر الشريف .
صفحات من شجاعته
أولاً :قضية القدس :كانت قضية القدس تشغل حيزاً كبيراً من عقل وقلب الإمام الراحل، وما لبس أن يذكرها في كل المناسبات مؤكدا أن القدس ستظل عربية إسلامية إلي قيام الساعة رغم أنف الإسرائيليين ،وعندما قرر الكونجرس الأمريكي نقل السفارة الأمريكية إلى القدس أصدر الإمام الراحل بيانا صريحا وواضحاً أدان فيه العدوان الصهيوني المستمر علي القدس، وأدان فيه القرار الأمريكي، وقال: (إن أمريكا تزعم أنها صديقة كل العرب, وهي أصدق في صداقتها بإسرائيل تؤيدها وتدفعها لمزيد من العدوان علي العرب وحقوقهم, وتساعدها في وضع العراقيل نحو إتمام عملية السلام التي تتظاهر بدعمها، لكنه دعم غير عادل فهو دعم للمعتدين الظالمين واستهانة وهدم لقرارات منظمة الأمم المتحدة ، ورفض الإمام الراحل سياسة التطبيع مع إسرائيل ما استمرت في اغتصابها للأرض العربية, وكان مما قاله: (لا سلام مع المغتصبين اليهود، ولا سلام إلا بتحرير الأرض العربية)، ورفض فضيلته زيارة المسلمين للقدس بعدما أفتي بعض العلماء بجواز ذلك بعد عقد اتفاقية أوسلو عام 1993م بين السلطة الفلسطينية بقيادة عرفات والحكومة الصهيونية بقيادة إسحاق رابين، وأعلنها الإمام الراحل بعزة المؤمن الذي لا يخشي إلا الله، أن من يذهب للقدس وهي تحت الاحتلال فهو آثم .
ثانياً :التمسك بحكم الإسلام في مؤتمر السكان العالمي الذي عقد بالقاهرة 1994 م ، فور علم الإمام الراحل بخطوط تلك المؤامرة الخبيثة أمر فضيلته العلماء والمختصين داخل الأزهر الشريف وخارجه بقراءة الوثيقة جيدا، ودراسة ما فيها وتقديم تقارير عنها، ثم اجتمع فضيلته بمجمع البحوث الإسلامية عندما تأكد من صدق ما تناقلته وسائل الإعلام حول وثيقة المؤتمر لمناقشة وثيقة المؤتمر، وأصدر بيانا شديد اللهجة والصراحة يرفض وثيقة المؤتمر، لأنها تخالف شريعة الإسلام, وأكد البيان أن الإسلام لا يقر أي علاقة جنسية بغير طريق الزواج الشرعي الذي يقوم بين الرجل والمرأة, كما يحرم الإسلام الزنا ، ويحرم إجهاض الجنين ولو عن طريق الزنا ،

وأهاب البيان بالأمة الإسلامية عدم الالتزام بأي بند أو فقرة تخالف شريعة الله.
ثالثا : الأقليات المسلمة :كان الإمام الراحل يولي اهتماما بالغاً بقضايا الأقليات المسلمة في العالم ، ومن أشهر المواقف صرخته الشهيرة إبان الاعتداء والعدوان الصربي علي المسلمين في البوسنة والهرسك ، فكان شيخ الأزهر الراحل عندما نشبت حرب إبادة المسلمين في البوسنة أول من أعلن أن حرب الإبادة صليبية في المقام الأول وهدفها إبادة المسلمين في البوسنة .
وكان أول من دعا لعقد مؤتمر إسلامي في الجامع الأزهر عقب صلاة الجمعة لمناصرة شعب البوسنة والهرسك، وحضره عشرات الآلاف من المصلين، ودعا فيه إلي إقامة صلاة الغائب علي شهداء المسلمين في البوسنة، وأعلن (رحمه الله) أن مسلمي البوسنة والهرسك لا يحتاجون إلي مجاهدين بقدر حاجتهم إلي المال والسلاح، ودعا المصلين والمسلمين في شتي بقاع العالم للتبرع بالمال في سبيل الله ومناصرة شعب البوسنة.
رابعا :نهضة الأزهر : شهد الأزهر الشريف في عهد الإمام الراحل نهضة كبيرة لم يشهدها في عهد من قبله.. فقد انتشرت المعاهد الأزهرية في كل قري ومدن مصر، كما لم تنتشر من قبل ، فحين تولي الإمام الراحل مشيخة الأزهر عام 1982م كان عدد المعاهد الأزهرية لا يزيد عن ستمائة معهد, وبلغت عدد تلك المعاهد في عهده ستة آلاف معهد وبضع مئات، فقد زرع الإمام الراحل المعاهد الأزهرية في قري مصر، كما تزرع النخيل في الصحراء ،ولم يقف جهده في مصر، بل حرص علي انتشار المعاهد في شتي بقاع العالم الإسلامي، فأنشأ معاهد أزهرية تخضع لإشراف الأزهر في تنزانيا وكينيا والصومال وجنوب أفريقيا وتشاد ونيجيريا والمالاديف وجزر القمر.. وغيرها من البلدان الإسلامية.
رصدت للإمام الراحل عشرات بل مئات المواقف التي تحتاج لمجلدات، قوة في الحق وسيفا في مواجهة الباطل ،من أكثر الشيوخ مهابة في قلوب الحكام ،رحم الله الإمام

( وللحديث بقية)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق