مقالات

جوزيف بحار بريطاني أدى فريضة الحج

أحمد صالح حلبي

جوزيف بيتس بحارٌ بريطاني شاب ، عمل على السفن البريطانية التي كانت تجوب البحار في النصف الثاني من القرن السابع عشر الميلادي ، وقع أسيرا في يد بحارٍ جزائري ، وعاش معه سنوات ، وعمل على إدخاله للدين الاسلامي فسمي بـ ” يوسف ” ونطق بالشهادتين ، لكن إسلامه لم يكن خالصا لله ، وهذا ما اتضح من أدائه للصلاة بلا وضوء ، وقيل أنه لبس قناع الإسلام مدة خمسة عشر عاماً، وهو واحد من أوائل الرحالين الأوروبيين الذين زاروا مكة المكرمة وكتبوا عنها ، وفي عام ١٦٨٠ انطلق جوزيف برفقة سيده من الجزائر إلى الإسكندرية ، ومنها إلى السويس ، التي ابحروا منها في رحلة طويلة مدتها شهر كامل قبل أن ترسو بهم السفينة في ميناء رابغ ، حيث ميقات ” الجحفة ” الذي يحرم منه الحجاج والمعتمرون ، ومن ذلك الموقع أطلق على نفسه اسم “الحاج يوسف” .

وتحدث جوزيف عن رحلة الحج بكتابه ” رحلة جوزيف بتس ( الحاج يوسف ) إلى مصر ومكة المكرمة والمدينة المنورة ، الذي جاء في 96 صفحة ، ونشرته الهيئة المصرية العامة للكتاب ، وفيه وصف بيتس جدة بأنها مرسى سفن الحجيج، وكان يكتب بشكل يومي وتطرَّق إلى الكثير من المعلومات الدقيقة، وكتب عن مكة بشكل دقيق وشامل، فكان يدوّن كل ما كانت تقع عليه عيناه، وهذا يتضح بقوله : ( دخلتُ من شارع واسع يتوسط مبانٍ تتناثر على يمينه ويساره، ويؤدي هذا الطريق إلى الحرم مباشرة، حتى دخلت الحرم المكي من باب السلام)، وهنا يقف واصفا مشهد الحجيج بقوله : ( لقد كان مشهدًا يخلب اللُّبَ حقًا أن ترى هذه الآلاف المؤلفة في لباس التواضع والتجرد من ملذات الدنيا، برؤوسهم العارية وقد بللت الدموع وجناتهم، وأن تسمع تضرعاتهم طالبين الغفران والصفح لبدء حياة جديدة ).

وتميز أسلوب جوزيف بيتس في الكتابة بالسرد اليومي ، فتناول الكثير من دقائق الأمور ، ولم يهمل جانبا أو يلغي آخرا ، ففي مكة المكرمة كان وصفه لها شاملا وواضحا ، فقد اشار ” إلى أنه دخلها من شارع واسع يتوسط مبان تتناثر على يمينه ويساره، ويؤدي هذا الطريق إلى الحرم مباشرة، حتى دخل الحرم المكي من باب السلام. ويقول بيتس إنه تأثر كثيرًا حين سمع تلبية الحجاج لأول مرة، ولم يستطع أن يحبس دموعه ، كما وصف تأثر الحجاج لدى مشاهدتهم الكعبة المشرفة وطوافهم حولها، وهو التأثر ذاته عند مشاهدة مواكب الحجيج الواقفين على صعيد عرفات، وعن ذلك المشهد يقول: «لقد كان مشهدًا يخلب اللب حقًا أن ترى هذه الآلاف المؤلفة في لباس التواضع والتجرد من ملذات الدنيا، برؤوسهم العارية وقد بللت الدموع وجناتهم، وأن تسمع تضرعاتهم طالبين الغفران والصفح لبدء حياة جديدة». سطر بيتس، كثيرًا من مشاهداته في رحلته هذه، حيث وصف الحرم وذكر أن له 42 بابًا، وتتوسط الكعبة الحرم، وهي مكسوة بالقماش الأسود ومطرزة بالخيوط الذهبية، وعليها بعض الكتابات ولها باب جميل بارتفاع مترين. كما تطرق للحديث عن ماء زمزم، والسعي بين الصفا والمروة، ومشاهد أيام التشريق. وتحدث عن جو مكة شديد الحرارة، وعن مبانيها التي بدت له متواضعة وغير مؤهلة لاستقبال آلاف الحجاج في تلك الحقبة الزمنية. وعقب نهاية الحج، توجه ومن معه إلى المدينة المنورة، حيث استأجروا جمالاً، وسارت القافلة لمدة عشرة أيام حتى وصلت إلى المدينة النبوية ” ، وقد تناول بيتس وصف تلك الأيام وصعوبة الرحلة والخوف من اللصوص وقطاع الطرق وما إلى ذلك من مصاعب ومخاطر في القرن السابع عشر.

وتجول جوزيف في مكة، وصعد غار حراء، وكتب انطباعاته عن مكة وصخورها السود، وبيوتاتها وأهلها ، كما رسم مخططاً للحرم المكي، وتحدث عن أبوابه الأربعين، وعن معالمه وآياته البينات، وعن حمَام الحرم، وقد أتيح له أن يدخل الكعبة المشرفة التي كان بابها – حسب قوله – مفتوحاً لأسابيع عدة، كما تحدث عن زمزم، وعن المقامات الأربعة التي كانت تضم محاريب للمذاهب الأربعة، يأتم أتباع كل مذهب بإمامهم.

وأدى جوزيف المناسك مع الحجاج، ذهب إلى عرفات، ويبدو أن المشهد هناك أسره، إذ حمله على أن يقول : “لقد كان مشهداً يخلب اللب حقاً أن ترى هذه الآلاف المؤلفة في لباس التواضع والتجرد من ملذات الدنيا، برؤوسهم الحاسرة، وقد بللت الدموع وجناتهم، وأن تسمع تضرعاتهم طالبين الغفران والصفح لبدء حياة جديدة… وإنه لأمر يدعو للأسف أن نقارن ذلك بالخلافات الكثيرة بين المسيحيين” ، وانطلق مع وفد الحجيج من عرفات للمبيت في مزدلفة، ثم يتحركون لرمي الجمرات، وذبح الأضاحي، ويقيمون أيام التشريق في منى في أجواء احتفالية، فالناس – كما يصفهم جوزيف- يتبادلون التبريكات والقبلات، والألعاب النارية تملأ السماء طوال ليالي التشريق.

للتواصل ahmad.s.a@hotmail.com

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق