أخبار

تعقيدات حتى مع الموتى!!!

أ. أحمد جاه

خلق الله المخلوقات، وركّبها في أحسن تقويم، وفي أي صورة شاء ركبها، والتركيبات الإلهية تقتضي بعض التعقيد في العلاقات العضوية بين الكائنات، خذ مثالا في أحد أعضاء الإنسان، تجده مرتبطا بالكيان البشري ارتباط التأثير والتأثُّر، وخذ فردا من البشر، تجده عضوا في مجتمعه مرتبطا به يؤثِّر ويؤثَّر عليه. وهذا من السنن الكونية الربانية، التي تتحكم على سيرورات النواميس، في دينامية تقتضي استمرارية الحياة إلى أجل مسمى. هذا في خلق الله…
أما في تشريع الله، نلاحظ أن حدّة ذلك التعقيد تخفُّ، وتسود البساطة واليسر والتيسير، يقول الله سبحانه: “…ما جعل عليكم في الدين من حرج” ويقول الرسول: ” يسروا ولا تعسروا” هذا ما يرشد إليه شريعة الإسلام. أما عند ملاحظة سلوك كثير في المجتمعات الإسلامية، جماعات وأفراد، نرى صبغة التعقيد في السلوكيات بارزة، بل مهيمنة على صبغة الله التشريعي “ومن أحسن من الله صبغة”… فاليسر والبساطة جليّان في صبغة الله الشرعية، فنرى كتابه الكريم لايصدع الرأس بالتفاصيل ولابالتفرعات. كما نرى سنة الرسول المصطفى صافية ناصعة يسهل فهمُها ببساطة، كما فهمها القرون المفضلة السابقة، وهكذا في جميع منابع ديننا الحنيف (الكتاب والسنة والفطرة) فقد كانت تحتفظ بأصالتها الرائعة وتكاليفها البسيطة، مما جعل سلفُنا الصالح تتجنَّب التعقيد والتفريع، ملتزمين بقول الرسول صلى الله عليه وسلم “… إنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم” وبقوله: “هلك المتنطعون…” أما إذا نظرنا في واقع هذا العصر، وقد قلّ الفقه وانخفض مستوى التربية بالقدوة الحسنة، نجد المفاهيم قد انتكست، وظنّت أن الفضل في التعميق والتعقيد والتفصيل، وصارت البساطة مذمّة يعيبون به كلَّ بسيط عمليّ فيرمونه بـ “حب السهولة” ليضعُف ويَسيرَ معهم على ركب المصعِّبين… “وماخُير الرسول بين أمرين إلا أخذ أيسرهما مالم يكن إثما…”
فكم تاهت الأجيال في تفريعات فقهيّة لاطائل وراءها، وجادلوا في مسائل لا تتبعها العمل. وفصلوا تفصيلات لاتصنع الحياة ولاتطلبه الحياة…
أتذكّر ونحن في مجلس جمَع شبابا يظهر فيهم الحرصُ في التزام دينهم، إذْ طرح أحدهم السؤال التالي: أنا ألاحظ اختلاف المسلمين في كيفية حمل الموتى إلى القبور؛ نرى في بعض الدول من يحملون موتاهم على الأكتاف، بينما المشهور فينا أن نحمل موتانا على لوح خشبي، وبالأيدي على مستوى الخواصر… فأي الكيفيتين ألصق بالسنّة وأحقّ بالتطبيق؟ فانبرى صاحب مَنطِق بسيط قائلا: المُهمّ أن يصل الميت إلى قبره بأسهل وسيلة وبأقل تكلفة… وكأن كلامَه لم يُقنع السائل ولم يهدأ سورتُه إلاّ بعد ما اتصل بهاتفه المحمول، بأحد الفقهاء المشهورين في هذه المسألة، ليجيبه بمثل ما أجاب أو قريبا مما أجاب ذلك الفطريُّ البسيط في سؤال ذلك النظريّ المُعقّد..
كما أذكر في موقف شبيه بالأول لأنهما مع الموتى، (والميت أحوج إلى البراغماتية) فبعد تجهير الفقيد بالغسل والكفن والصلاة حملناه على تلك الكيفية المشهورة عندنا… ولكن ثارت إشكالية أخرى بين الحاملين، فما تلك الإشكالية؟؟؟
هل تتقدّم أقدام الميت أمام الحاملين، أم رأسه أحق بالتقديم؟
وهنا ارتفعت الأصوات “ولكلّ وجهة هو موليها”. فتصدَّر أحدهم للترجيح يتفلسف قائلا: عندما نمشي ننتقل بأقدامنا! وعلى هذا أري أن نجعل الأقدام أمامنا لنمثِّل له مشيه (الميت) نحو قبره بكل أريحية… فواجهه ‘سقراطٌ’ آخر: بل الرأس أحقّ بالتقديم لأنه سيّد الجثّة والسيّد أحق بالتقديم في جميع المواقف. زد على ذلك، أن نتافاءل بتقديم رأسه ـ اليوم ـ ليكون رأسا بين المقبورين…
اشتد النزاع والحجاج، ووُجِّه الميت مرات حسب تردّد قناعات الحاملين.. حتى تدخَّل ‘فارابيٌ’ آخر ليفصل النزاع بتفصيل شرحه كما يلي: أن نقدِّم الأقدام أمامنا نصف الطريق ثم نوجِّه الميت (المسكين) ونقدّم رأسه فيما بقي من الطريق، لنكسب المزيتين، ونشفي صدور القومين…
ومن هنا واصل البسطاء العمليُّون طريقهم نحو المقابر، ليعجِّلوا وصولهم إليها. على أملِ أن يُغريَ سبقُهم أولئك المعقَّدين المتنطعين المتأخرين ـ فلاسفة الموتى وموتى العقول ـ فيحثُّوا الخطى على حساب تلك المناظرة التي تجلّت فيها أطروحة وأطروحة مضادة وتوفيق بين الأطروحتين، وأدلة الأطراف الثلاثة، ولم يخرجوا بنتيجة شرعية. بينما أقرب أقرباء الميت من المناظرة متذمرون…
أمّا أئمة المساجد الذين كانوا سبقوا ـ لأنهم ركبوا على سيارات 4*4 ـ لم يشتركوا في تلك المناظرة، ولم يشهدوا مجرياتها، وإنما أنشَؤوا هناك قبل وصول ركب الجنازة نقاشا حول أفضلية اللحد أوالشق في سهول ‘كَجُورْ’ ورِمالها، كما دافعَ هناك ـ أيضا ـ كلّ إمام عن موقفه، بما لديه من حجج وأدلّة وبراهين.. حتى قال الذين غلبوا على أمرهم، لنتخذن على هذه المسألة ندوة.
وبعد مراسيم الدفن، وبعد ما أخذوا من وقت الميت كثيرا منذ تفريع كفنه من عمامة وقميص وإزار ورداء ووو… ليبلغ القطع علي جسد الفقيد سبعا، إلى أن صمّموا تسليمه الثرى بين رجال تسع: ثلاثٍ ينزلون في القبر، وثلاثٍ يناولونهم الجثة، وثلاثٍ يتكلّفون برفرفة الغطاء السميك ‘امبجِّي’ على رؤوس الدافنين المستنشقين ـ جبرا ـ غبار الأتربة المحصورة بين الشق، أو اللحد ـ لا أدري ـ وبين الغطاء السميك… كذلك أخذوا من وقت الأحياء أكثر وأكثر وأكثر، فقد تناول الكلمة أحد الأئمة، عفوا، وسيلةُ الميت نحو ربه، كما يقولون؛ ومهّد لكلمته ببيان خطورة الموقف لأنه فرصة واحدة لا تتكرر، وعلى هذا فليعتبر كلٌّ من الشاهدين نفسه في مكان الميت، فلا عجلةَ ولا سرعة ولا اعتراض في القبر، “وماتفعلوا من خير يعلمه الله…” ثم قال: سأقدم ما عندي من الأدعية (دُوكْ) بأعداد سيبلِّغها المبلِّغ وسيذكِّرها عند الحاجة، ثم يقدّم إمام الجامع الكبير ما عنده، ثم يقدم إمام قريته الأصلية ما معه، ثم يقدم ممثّل أسرة ‘انْجَاه’ كذلك، ثم كبير أسرة ‘صُهْ’ ثم ننظر في الحضور، من عنده دعاء ينفع الميت فيقدمه مشكورا مأجورا…لأن أخانا الميت ليس له إلا هذا اليوم.
معذرة أيها القارئ تذكَّرت صلاتهم على هذه الجنازة، ولم أكدْ أتذكَّرُها، وربما لخفّة وقعها الناتجة من قِصر مدّتها وخمول تكبيراتها التي لم يسمعها من وقفوا في الصف الثالث أمثالي..
وأترحم لذلك الميت الذي اهتموا في توديعه بتفاصيل كفنه واحتمالات حمله إلى القبر وتعقيدات لحده في سهول ‘كجور’ وتناوبوا في تقديم أدعية كثيرة مأثورة وغير مأثورة، خلال ساعتين، وزيادة. بعدما صلوا عليه صلاة الجنازة في دقيقتين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: