مقالات

تأبين: رحيل العالم والمفكر “محمد المختار بن اباه”

بقلم: أ.محمد الحافظ بن محم

تلقيت يوم ( الأحد 30 جمادى الأخيرة 1444هجرية الموافق 22 يناير 2023 م) ،بقلب راض بقضاء الله وقدره ، نبأ وفاة العلامة محمد المختار بن اباه .. لقد توفي هذا العالم الجليل والمفكر العظيم والزعيم الوطني البارز الذى ترك بصماته على كل مناحى الحياة الثقافية والفكرية والسياسية فى وطننا الغالي .

لقد توفي العالم محمد المختار بن اباه ( الملقب بابا ) ، ولا نقول إلا ما يرضى الرب ؛ فموت العالم مصيبة لا تجبر وثلمة فى الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار ، وهو مفكر مرموق على مستوى الأمة الإسلامية التى تحتاج إلى مثله فى هذه الظروف التى تعيشها حاليا .

لقد خدم المرحوم وطنه على أكثر من صعيد ، وساهم فى صنع مجد لهذه البلاد العريقة ، فى محيط يصعب فيه التميز ، لأن العالم أصبح قرية واحدة ، والتنافس على أشده فى كل مجال .

وانه بدون شك سخر نفسه لخدمة العلم والمعرفة ، وجاء باضافات نوعية .
وكانت ترجمة المرحوم محمد المختار لمعاني القرءان الكريم إلى اللغة الفرنسية من اجود الترجمات الموجودة او هي اجودها حسب شهادة المتخصصين ، و كانت نظرياته في الأدب الموريتاني و ما خدم به هذ الأدب من أبرز ما ظهر على الساحة الوطنية من إنتاج من خلال كتابه (( الشعر و الشعراء )) و (( الشعر الموريتاني المعاصر)) و غيرهما ، كما كانت خدمته للتعليم ، الذى حبب إليه ، من أعظم الخدمات التى أداها مواطن لهذا الشعب ؛ حيث أنه كان مسؤولا عن انشاء معهد بوتلميت في مستهل سنة 1954 و عين في السنة الموالية أول مفتش للغة العربية ، و كان المدير المؤسس لمدرسة التعليم العليا لمدة عشر سنوات ابتداء من 1970 ، و هي اول مؤسسة جامعية فى البلاد اسهمت في نشأة جيل جديد من الأساتذة و المفتشين الأكفاء ، و ساهم فى أول محاولة لاصلاح التعليم في أواسط الستينات ، و تولى رئاسة لجنة اصلاح التعليم لسنة 1973 ، و الف كتابا نشرته الايسيسكو و عنوانه ((التربية الاسلامية بين القديم و الحديث))يقترح فيه نظاما مدرسيا يرمي إلى اختصار امد تكوين الطلبة الي أربع عشرة سنة يتخرج فيها الطالب طبيبا أو مهندسا أو خبيرا في العلوم الانسانية أو أستاذا جامعيا .

و مارس التعليم عن طريق ((الحبو)) – كما يذكر في مذكراته – حيث أنه بدأ مدرسا متدربا للغة العربية ثم معلما للغة الفرنسية ، ثم مفتشا في التعليم العربي ، ثم أستاذا في التعليم الثانوي ، فأستاذا في التعليم العالي ثم مفتشا للمنظومة التربوية .

و مارس التعليم كوزير للتعليم ثم كمستشار للمدير العام لليونسكو , ثم أمينا عاما مساعدا لمنظمة المؤتمر الإسلامي ، و انشأ أول جامعة للتعليم الأهلي بموريتانيا هي “جامعة شنقيط العصرية” التي أرادها أن تسهم في احياء التراث الشنقيطي و تعطي فرصة لخريجي المحاظر لنيل شهادات علمية .

و كان أول رئيس لمجلس جوائز شنقيط التي أنشأتها الدولة و تولى رئاسة مجلسها العلمي عدة سنوات ، لاقتناعه بدورها في استنهاض البحث العلمي و في المحافظة على التراث الإسلامي و في تشجيع الإبداع الفني .

و في مجال شهادات التعليم أخذها من شهادة الدروس الابتدائية في اواخر الاربعينات إلى إجازة الليسانس في الآداب في الرباط بالمملكة المغربية في مستهل الستينات ، و في مايو 1969حصل على دكتوراه الجامعة من جامعة السربون الفرنسية العريقة حول الشعر الموريتاني ، و في مستهل السبعينات حصل على شهادة التبريز ((agreg)) , و هي أول شهادة تبريز في الآداب العربية يحملها موريتاني من جامعة فرنسية ، و قد هنأه الرئيس المختار ولد داداه بمناسبة حصوله علي هذه الشهادة ، و أرسل السفير الفرنسي بنواكشوط رسالة تهنئه للحكومة الموريتانية بهذه المناسبة .

و حصل بعد ذلك على شهادة دكتوراه الدولة من جامعة السربون الفرنسية حول تاريخ المذهب المالكى في موريتانيا أو (( الأدبيات الفقهية في موريتانيا))و نالها بميزة ((مشرف جدا)) مع التهنئة موثقة بالتوصية بالنشر.

و شملت مؤلفات المرحوم محمد المختار بن اباه ثمانية كتب فى علوم القرءان من أبرزها كتاب ترجمة معاني القرءان الكريم إلى اللغة الفرنسية ، و كتاب تاريخ القرءات في المشرق و المغرب .

و نشر في مجال الفكر الإسلامي أربعة كتب منها : التربية الإسلامية بين القديم و الحديث ، و مدخل الي أصول الدين ، و تاريخ التصوف .

أما في مجال الفقه و أصوله فقد نشر ستة كتب منها أصول التشريع و تطور المذهب المالكي في موريتانيا و دليل المصطلحات الفقهية و نبذة عن أصول الامام الشافعي .

و في مجال اللغة و الشعر صدرت له سبعة كتب منها “تاريخ النحو العربي في المشرق و المغرب” , و الشعر و الشعراء في موريتانيا, و رحلة مع الشعر العربي ، و نماذج من أغراض الشعر الشنقيطي القديم ، و مقدمة عن تاريخ الأدب الموريتاني ((باللغة الفرنسية)).

وفى مايو 2022 صدرت مذكراته وكانت حدثا بارزا على المستوى الوطنى ، لأنها جاءت سرد شاهد مؤتمن على التاريخ الوطني الحديث وقد أختارلها المؤلف عنوان :

((رحلة مع الحياة )) و تقع في ((400)) صفحة و هي مخللة بالصور التذكارية ، نشرها المركز الثقافي للكتاب الدار البيضاء – المغرب , الطبعة الأولي 2022.

وبدأت بعناوينها البالغة (98) ، وقد لفت انتباهي حينما عكفت ، منذ اشهر ، على هذه المذكرات ، ان عدد عناوينها هو عدد أعوام عمر المؤلف ، وربما أراد أن ينعى نفسه .

وقد تناولت هذه المذكرات العديد من القضايا التى كان الباحثون والمهتمون بالشان الوطنى ينتظرون بلهفة كتابة المرحوم محمد المختار عنها .

وكنت قد نشرت عرضا مفصلا عنها فى جريدة ”الصدى”

نعزى أنفسنا، ونعزى العلامة اباه بن عبد الله اطال الله بقاءه ومتعنا به فى صحة وعافية ، ونعزى الأبناء والبنات البررة: عبد الله واحمد سعيد واباه ولمرو وفضيلة وءاسية ، وكل الأسرة الكريمة ، وكل سكان النباغية ومجتمع العقل والتاكلالت وكل أبناء الوطن .

نرجو من الله الرحمة والغفران وجنة الرضوان لفقيد الأمة والوطن محمد المختار بن اباه .

المصدر : صحيفة الصدى الورقية الاسبوعية الصادرة اليوم الاثنين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: