مقالات

بين العمالقة

ليلى أبو شقراء

ماذا يمكن للقلم أن يقول بين العمالقة؟
في الوقفة هيبة تميد الأرض تحتها، فالأثر لمن كانت له السيادة، ولمن كان له في الحكمة باع، ولمن كانت له في الكلمات صولات، ولمن كان له على المنابر جولات…
بمَ يمكن للنثر أنْ يُقارع به الشعر؟ فهما غريمان وإنْ فاض في رحابه نهر العاطفة، وعلا صوت النغم والربابة، فالنثر يبقى للعقل مرمح، والشعر يبقى للنغم ميدان…

بمَ يمكن للنثر أنْ يقارع به الشعر وأنْ يتحدّاه؟ أفي صوره وخيالاته، أم في جموحه وكرّه؟
قد يكون النثر قادرًا على الجري خلف الأخيلة، يسافر فيها على أجنحة الغمام، يمتطي الرياح، يقارع الصواعق والنوازل، لكنه بالتأكيد سيفتقد لرمح زيوس السحريّ، سيسافر على أجنحة الغمام لكنه لن يحدد اتجاهها، سيمتطي الريح لكنه لن يسودها، سيقارع الصواعق والنوازل لكنه لن يُبدعها، فزيوس لم يمنح رمحه إلاّ للشعر…

وليس زيوس من خصّ الشعر من دون النثر برمحه، فأبولو منحه مثالية نحته وشمسه وموسيقاه، وأثينا منتهى جسارتها وتخطيطها وحكمتها، وأفروديت مدى عشقها، وبوسيدن غموض أعماقه، وهيليوس نوره وناره… أمّا الأرض، فقد أجزلته العطاء ربيعًا لا يعرف له صيفًا ولا خريفًا ولا شتاءً… فمن ثراها منحته جذوره، ومن سوسنها رقّته، ومن قمحها روح حياته، ومن وردها شذاه، ومن ياسمينها عطره، ومن زهرها عسلَه، ومن نهرها انسيابه، ومن سهلها عطاءه، ومن جبلها صلابته، ومن نسيمها اعتلاله، ومن غابها وحشتَه، ومن تجددها إنسانيته، ومن بحورها قيثارته وقانونه…

بمَ يمكن للنثر أنْ يقارع به الشعر وأنْ يتحدّاه؟
استفهام لا يُقصدُ به إعلان انهزام النثر أمام فنّ النظم، ولكن يُقصد به التمييز بين فنٍّ يجول فيه العقل جولاته، ويرمح فيه خيله على وسع المدى، من دون قيد أو حدود تأسر اللفظ أو تسجن المعنى؛ فاللفظ ومحتواه سفين التفكّر، والتأمّل، والجدل، والبرهان، والقصّ، والوصف، والاستقلال بعيدًا عن رقابة الوزن ومُتَّسعِ البحر.

والنثر، وإنْ لم يبتعد عن الجمال في كتابته الأدبية، إلاّ أنَّه لا يعوّل على أنْ يكون الجمالُ الصاعقُ في صُلب مبناه ومعناه، ولا تأثيرُه في النفس تجييشًا للعاطفة، وربما إيقاظًا للغريزة إلاّ في فن الخطابة التي يُراد منها أنْ توجدَ ردة فعلٍ مباشرة من المتلقّي، تحمله على النهوض بالغرض الذي يريده الخطيبُ مِن خطبته.

النثر لا يعوّل على الجمال، لأنّه يرتكز على التفكر والتمهّل فيه، على محاكاة العقل، والدعوة إلى التفكير، بعيدًا عن تشويش العاطفة في ملء صبوتها وحيويتها واندفاعها، تاركًا للجمال قرار التبختر والتألّق والتباهي على خشبة النظم والعزف والوتر…

النثر يملك خيار تبني الموسيقى تسجيعًا، أو الانطلاق بحرية خلف المعاني يصوغ ألفاظها بموضوعية وعلمية أو بذاتية وأدبية وإبداع، يؤرّخ أو يناقش أو يفسّر أو يتأمَّل؛ يسطُر الحقائقَ أو ما يخطرُ على البال؛ وهو في نحوِهِ الموضوعيّ والأدبيّ يُطلق لكاتبه العنان في التكرار، والترادف، والاستطراد، والإيجاز والمساواة والإطناب، وإتيان المعاني بألف صورة وصورة، وألف تركيب وتركيب، وزخارف عدّة من الصياغة… من دون المساس بقيمة المنثور خاصة إذا كان الناثر مُحسنًا للسبك، مالكًا للغة، فصيحًا.

أمّا الشعر، فالإطناب يُضعفه، كما المساواة، إذ إنَّ عبيرَه لا يتنشقّه إلاّ الخيال الذي يجنحُ معه في رحلة يتتبّع فيها المعاني في أبعد الآفاق، ومن هنا كان بديعه الإيجاز، وسرّه الذي يتَّحدُ مع الأنغام في توليفة لا يضاهيها في إبداعها إلاّ معزوفة الخلق الأولى…

الشعر نغم يداعبُ الوتر، وإذا ما سقط النغم، وجرى بالعاطفة إلصاقُ الشعر بالنثر لتدوزِنَ الوتر، راح مع الشعرِ الشعورُ يتلمّسُ بالسِّحرِ جنَّتَه المتخيَّلة في جرودٍ من الجلاميدِ والصخورِ.
فالنثر والشعر غريمان؛ والنثر يبقى للعقل مرمح، والشعر يبقى للنغم ميدان… والتميّزُ على منبر العمالقة إنجاز!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى