Articles

بستيف يعتمد خطةا

بقلم/ البروفيسور محمد غالاي انجاي-بروكسل

في الحقيقة لم تكن لحزب باستيف خطة تسمى (ب)، كل ما هناك خدعة سياسية لم تستطع حكومة ماكي سال حل شفراتها. فبعد أن أنهك ماكي سال ومعسكره جميع أوراقهم السياسة للإطاحة برجل اسمه عثمان سونكو، خرج باستيف في آخر لحظة بخطتها “المخبوءة” منذ البداية، وهي خطة (أ) وليست (ب)، ذلك لأن في الأصل كان عثمان سونكو مهندس الحزب ورأس حربته ، كان قد أكد مرارا وتكرارا أنه لا يشكل الألف والياء في مشروع باستيف، وإنما هو مجرد عنصر من عناصره وجندي من جنوده، بعبارة أخرى هو مجرد زعيم ضمن زعماء الحزب. ولعل الأمر الغائب عن ذهن حكومة ماكي سال هو أن باستيف ليس رجلا، بل هو مشروع، فكرة وعقيدة، ليس لديه خطة (أ) لفلان أو خطة (ب) لعلان. النقطة التي تشكل البؤرة الرئيسية والتي انتصبت العيون نحوها هي إسقاط نظام سياسي بال طالما امتص دماء الشعب السنغالي، وليست انتخاب رجل بعينه. هذا هو مضمون رسالة عثمان سونكو منذ البداية، لم يحد عنه قيد أنملة في سائر تصريحاته. ليؤمن به من أراد ولينكره من أراد، لكن يظل ذلك الحقيقة المرة واللقمة الوعرة استساغها في حلق حكومة ماكي سال. فليعلم الجميع إذن أن خطة (ب) المتداولة أحيانا على لسان بعض أنصار الحزب أو عبر وسائل الإعلام لم تكن إلا خدعة سياسية وحجابا ساترا في وجه حكومة دكتاتورية لا تكترث بالقانون ناهيك عن تطبيقها العدالة ضد خصومها السياسيين. من غير مواربة أن الخطأ الفادح الذي وقعت فيه حكومة ماكي هو تركيزها أكثر من اللازم على تنحية رجل من الاستباق الرئاسي، بينما باستيف ركز على مشروع وفلسفة وعقيدة، فهاجسه الرئيس، بل هدفه الأساس هو الاطاحة بالنظام الفاسد الذي تفيأت ظلاله على السنغال منذ حصولها على الاستقلال إلى وقتنا الراهن.
والقمين بالتسجيل أيضا هو أن حزب باستيف إذا نجح في السباق الرئاسي القادم بأن يصل إلى سدة الحكم فلن يكون فوزا واحدا، ولكن سيحرز فوزين اثنين، فوز الحزب على الحكومة الحالية، وفوز عثمان سونكو على الرئيس ماكي سال الذي انسحب عن الحكم لغرض واحد وهو الحيلولة دون وصول عثمان سونكو الذي لا يجارى في حنكته ومهارته السياسية – إلى كرسي الرئاسة. فلو تم الفوز الساحق لحزب باستيف المنحل سيخرج سونكو من السجن ليكون رئيس الحكومة، الأمر الذي لا يروق ماكي سال تصوره ما دام في قيد الحياة. ذلك لأن نظام الدولة سيتحول في المرحلة القادمة إلى نظام برلماني، لا رئاسي، ويكون عثمان سونكو هو بالفعل الرئيس الحقيقي للسنغال، ويكون بشير جوماي فاي رئيسا في ذلك النظام البرلماني، لا الرئاسي. هذا ما نراه، وللحزب ما ستبدي له الأيام. وعلى هذا الأساس ، يكون الفائز الحقيقي هو الزعيم المناضل عثمان سونكو، والخائب الحقيقي هو ماكي سال. ومن هنا ندرك حقيقةً أن حزب باستيف لم تكن له خطة (ب). فلو رجع نيكولا مكيافيل صاحب كتاب “الأمير” إلى الحياة لتعلم السياسة من منظور آخر أكثر دهاءً وأكثر خُلقًا ونُبلا. نعم سيتعلم بكل تأكيد من باستيف وزعيمه عثمان سونكو أن السياسة ليست “الغاية تبرر الوسيلة”، ولكن الوسيلة النبيلة تبرر الغاية النبيلة. لأنهما (باستيف وسونكو) صارا يضرب بهما المثل في الحنكة والأناقة السياسية.
إن حزب باستيف اقتحم اللعبة السياسية في السنغال متأخرا، فهو ضيف في الحلبة، لكن أظهر عبقريته أمام أهل السيستم الذين كانوا يزعمون أنهم أغوال السياسة، وأن السياسة تقطر من دمائهم وتسيل من عروقهم. كثيرا ما سمعنا أن باستيف حزب متطفل، حزب الشباب، حزب اللاوعي، حزب الانترنت، ليست لديه خبرة، لكن هذا الرأي سرعان ما تلاشى وتدهور إلى الحضيض.
لعل القارئ النبيه يدرك معنا أنه في الحقيقة لم تكن ثمة خطة (ب) في ذهن سونكو، كل ما هنالك مشروع طموح يهدف إلى أمر واحد لا غير هو الإطاحة بالسيستم الفاسد القائم. فالرئيس ماكي سال ومن معه أخطأوا المعركة التي كان يجب عليهم مباشرتها، لقد أنهكوا طاقتهم وقواهم في رجل لا يرى هو في ذهنه أنه يمثل حزب باستيف ، بحيث لو تم إقصاؤه يموت الحزب ويفنى، بل يرى نفسه مجرد عنصر من عناصره وعضو من أعضائه. المهم في ذهنه هو نجاح المشروع، لا نجاح رجل، فهم (حكومة ماكي سال) يحاربون رجلا إسمه (عثمان سونكو) لمنعه من الخوض في السباق الرئاسي عام 2024م، وحزب باستيف لا يهدف للإطاحة برجل يتمثل في شخص ماكي سال، بل هدفه الإطاحة بالسيستم الفاسد الذي سئم منه الوطن والمواطنون . فهؤلاء يحاربون من أجل الحفاظ على مصالحهم الشخصية كفئة وعصابة، وهؤلاء يحاربون من أجل تحرير شعب بأكمله من ربقة فئة يرونها فاسدة. إذن المعارك تختلف في أهدافها وفي نبلها، ولكن ميدان المعركة لا يختلف، بل مشترك بينهما. وصولا إلى هذه المرحلة من التحليل يمكننا اللحاظ بكل وضوح وجلاء مدى فقر وهزالة حكومة ماكي سال من زاوية العبقرية والذكاء السياسي، لا شك أن الفريقين المتنافسين ليسا على مستوى واحد في الأداء. فكلما حرك سونكو ساكنا أو ألقى خطابا تتم في الصف الآخر إعادة توزيع الأوراق ويمتزج في دماغها وأجهزتها الحابل والنابل، ذلك لأن الحكومة القائمة تبقى دائما أمام لمسات سونكو وتكتيكاته حائرة مدهشة ، فتبادر دون تفكير وروية في تغيير خطتها أو تعديلها أو الشطب عليها تماما ، وتبدأ في مناورات أخرى أكثر بطشا . في الحقيقة سونكو داهية سياسية من طراز جديد، يشكل دون أدنى شك في سياسات أفريقيا في القرن الواحد والعشرين قيمة إضافية نوعية جديرة أن تسجل بماء من ذهب في لوحات التاريخ. سونكو ليس ظاهرة سياسية كما اعتقد الكثيرون، وإنما هو مدرسة، أو حالة مدرسية يجب أن تلقن للأجيال الجديدة الصاعدة والمستقبلية. كما أن باستيف ليس حادثا عرضيا يمر كمر السحاب بحيث ينتهي بموت زعيمه أو بحله ، فيصبح حزبا غير قانوني، وإنما هو فكرة وعقيدة وفلسفة امتزجت بدماء السنغاليين خاصة وبدماء الأفارقة عامة، غير قابل للانمحاء إلى الأبد في ذاكرة أبناء القارة السوداء والعالم. هنا أيضا نجد حكومة ماكي سال قد أخطأت حيث قامت بحل حزب باستيف معتقدة أن ذلك سيضع حدا لوجوده وفي مشاركته في السباق الرئاسي عام 2024م، فَفوجئت في آخر لحظة بعد أن فندت جميع أوراقها السياسية بخروج عثمان آخر في ثوب عثمان، ربما أخطر من عثمان!!.
باستيف فكرة وليس رجلا ، هذا ما تأبى الحكومة أن تضعها في بالها ، وحق لها ذلك. ومما يمكن قوله من حسن أداء حكومة ماكي سال ، هو أنها توجست منذ باكورة اللعبة أن الخطة (ب) في حزب باستيف هو بشير جُومَاي فَايْ فقام استباقا للأحداث بالقبض عليه ووضعه وراء القضبان، لكن أخطأت حين توقفت عند هذا الحد، كان عليها أن تلصق على كاهله تُهمًا خطيرة وتقوم بمحاكمته حتى يفقد صلاحيته في المشاركة السياسية. وتفعل مثل ذلك لكل زعماء الحزب دون استثناء، …. المستحيل لا يدرك. كل ذلك ينبء أن الأرضية التأسيسية لكل مناورات الحكومة هي الحقد والضغينة والعدوان والعشوائية. إنها حكومة تعادل في منظومة أفلاطون في الجمهورية “حكومة غضبية” (النفس الغضبية) في أعلى مستوياتها. فهي فاقدة لـ “النفس الناطقة” في قمة هرمها. لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان. فحكومة ماكي في حالة احتضار، قد وصلت إلى منتهاها وقد ختمت على فشلها وأكدت على خيبتها ، فصارت جثة هامدة ، وفي آخر المطاف نؤكد أن السيد سونكو قد أنهى دوره في هذه المرحلة الحاسمة من الحرب ولم يبق إلا دور الشعب إذا أراد التغيير المنشود،. باستيف حزب المفاجآت، وعثمان سونكو رجل المواقف. إنما يكسب الحرب من هو أكثر استعدادا لها، لا عيب في أن تخسر معركة، ولكن العيب كله أن تخسر الحرب. إن المعركة في واقع الأمر بين الرئيس الماكر والزعيم المعارض المخادع، ماكي الماكر وعثمان المخادع، و”الحرب خدعة” كما قال من أوتي جوامع الكلم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫5 تعليقات

  1. Its such as you read my mind! You appear to know so much about this, such as you wrote the ebook in it or something.
    I believe that you just can do with a few p.c.
    to pressure the message house a bit, but instead of that, that is fantastic blog.
    A great read. I will certainly be back.

    Stop by my web site; vpn special code

  2. Hey! Do you know if they make any plugins to assist with Search
    Engine Optimization? I’m trying to get my blog to rank for some targeted keywords but I’m not seeing very good results.

    If you know of any please share. Thank you! You can read similar blog here: Backlinks List

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى