أخبار

الميداليات ..كلها معتبرة وذات وجاهة ..!

د. أشرف سالم

بدأت الملاحظة من المصورين الصحفيين ومتابعي الإعلام الذين رصدوا من خلال تغطياتهم للفعاليات الرياضية المختلفة؛ وخاصة وقائع توزيع الجوائز على الفائزين بالمراكز الاول والثاني والثالث في الألعاب التنافسية؛ سواء كان في المسابقات الفردية أو الجماعية ؛ حيث يحصل الفائز بالمركز الاول على الميداليات الذهبية والفائز بالمركز الثاني يحصل على الميدالية الفضية والمركز الثالث يحصل على الميداليات البرونزية.

لقد لاحظ المصورون من خلال متابعتهم أنَّ الفائز (أو الفائزين) بالمركز الثالث والميدالية البرونزية يكونون أكثر ابتهاجا بفوزهم من الفائزين بالمركز الثاني الحاصلين على الميدالية الفضية؛ الذين يكونون في حال من العبوسِ والتجهم ولا تبدو عليهم مظاهر السعادة والابتهاج!، والغريب ان هؤلاء المتابعين لاحظوا أن هذا الامر ليس نادرًا؛ بل يكادُ يكون مطردًا في معظم ما رُصد من فعاليات.

وصل الأمرُ الى الباحثين والمختصين في علم النفس وعلم الاجتماع لكي يدرسوا الظاهرة الغريبة ويحاولوا إيجاد تفسيرٍ لها؛ فخرجوا بتفسيرات متنوعة وكلها معتبرة وذات وجاهة، حيثُ تلعبُ الحالة النفسية للاعب أو للاعبين عند توقيت توزيع الجوائز؛ دورًا كبيرًا في هذا الوضع المستغرب.

فالحاصل على المركز الثالث يكون قد وصل إلى هذا المركز من خلال فوزه أو تقدمهِ على المنافس (الرابع)؛ بينما صاحب المركز الثاني يكون قد وصل إلى هذا المركز من خلال هزيمته من صاحب المركز الأول، إذن فالثالث يدخلُ إلى منصة التكريم وهو فائزٌ في آخر منافسة؛ بينما الثاني يدخل الى منصة التتويج وهو مهزومٌ في آخر منافسة؛ وهذا بلا شك ان هذا يلعب دورًا كبيرًا في نفسية اللاعبين.

وكذلك يكون الحاصل على المركز الثالث قد بلغ هذا المركز غالبًا بفارق بسيط طفيف عن صاحب المركز الرابع الذي لم يصعد أصلا على منصة التتويج؛ هذا الفارق ربما يكون هدفًا من ركلة ترجيح وربما تكون سنتيمترات معدودة في سباقات العدو والجري والرمي؛ أو جرامات محدودة في رفع الاثقال وما شابة ذلك، بينما في نفس الوضع يكون صاحب المركز الثاني قد فقد المركز الأول والميدالية الذهبية بنفس هذا الفارق البسيط المتواضع؛ لذا فالثالث يشعرُ بالكثير من الامتنان بينما يشعر الثاني بالحسرة والندم على فوات الصدارة.

أيضًا مما تم سرده من التفسيرات أن صاحب المركز الثالث يصعد الى منصة التتويج بعد فترة زمنية تفصله عن آخر نزال رياضي خاضه في البطولة؛ وبالتالي يكون تأثيرها على نفسيته قد خفَّ أو خمد بينما صاحب المركز الثاني يكون قد خرج لتوه من الحدث التنافسي الذي كان بينة وبين صاحب المركز الأول؛ ولا يزالُ أثرُ الهزيمة في آخر منافسة حاضرًا ومؤثرًا على نفسيته، أضف إلى ذلك أن صاحب المركز الثالث لا يرى من كان منافسًا له في الفعالية الاخيرة (الرابع)؛ إذ لا يوجد معه على منصة التتويج، بينما صاحب المركز الثاني يرى من كان معه في المنازلة الأخيرة؛ وقد حصد المركز الأول والميدالية الذهبية والمجد والشرف والأضواء الاعلامية والمكافأة المالية الكبيرة، وكل هذه الأمور التي فصلته عن تحصيلها شعرةٌ لها تأثير سلبي على نفسيته.

التأملُ فيما سبق يقودنا إلى أنّ النفس البشرية مكونٌ مُعقد من المشاعر والاحاسيس والانطباعات والانفعالات لا يمكن أبدًا حسابها بقياسات الفيزياء والرياضيات؛ ففي نفوس البشر لا يُشترطُ أن (واحد زائد واحد يساوي اثنين)؛ فهناك عوامل كثيرة تتداخل وتتفاعل لكي تخرج لنا انطباعا ربما يكون غير منطقي وغير متوقع.

وتبقى السعادةُ في النهاية في الرضا بما قسمه الله؛ ويبقى الاطمئنان النفسي في الإيمان بالله وذكره سبحانه (ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى