أخبار

المتساقطون علي طريق الدعوة

بقلم /محمد علواني سليمان


كثيرون أولئك الذين يركبون قطار الدعوة، ويرفعون راية العقيدة، وينادون بقيمها، ويدافعون عن مبادئها، رافعين شعارًا يرسم طريق الوصول إلى مرضاة ربهم، وبه صلاح دينهم ودنياهم وآخرتهم، يربون عليه أنفسهم وينادون به في مجتمعاتهم: الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا، ووعد الله الصادقين من هؤلاء: «ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننَّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنَّهم من بعد خوفهم أمنًا»، ولكنه اشترط عليهم شرطًا وعليه يدور الابتلاء والتمحيص: «يعبدونني لا يشركون بي شيئًا»، إذ إن معركة العقيدة ليست ككل المعارك؛ «إنها معركة في الميدان ومعركة في الضمير، ولا انتصار في معركة الميدان دون الانتصار في معركة الضمير، إنها معركة الله، فلا ينصر الله فيها إلا من خلصت نفوسهم له، أما الذين يرفعون راية العقيدة ولا يخلصون لها إخلاص التجرد فلا يمنحهم الله النصر أبدًا» هكذا يفهمنا صاحب الظلال!

ولذا قضى الله علينا سنة التمحيص، ليميز الخبيث من الطيب، ولينقي الصف من طلاب الدنيا حتى لا يتنزل النصر إلا على طلاب الآخرة «ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر مِن بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين».

ولذا دعونا نسلم أن قطار الدعوة يركبه من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة، يركبه من قصرت به غايته لعرض من الحياة الدنيا فهو ينزل من القطار عند تلك المحطة إن تحصل عليها أو حيل بينه وبينها، ولن يستمر إلى نهاية الرحلة إلا من جعل الله غايته ورضاه مقصده فينال سعادة الدنيا والآخرة.

ولقد أشار الله جل في علاه إلى بعض هذه المحطات في طريق الدعوة في قصة طالوت وجالوت ولعل أهمها:

محطة حب الرئاسة والتطلع إلى الصدارة «قالوا أنَّى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال»، مقارنة بين إمكاناتهم وإمكانات قائدهم، وإبرازاً لإمكاناتهم بالقدح والتقليل من شأن قائدهم، فكان تبرير رسولهم لهم: «إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم»، فالمقوم الأول الذي استحق به القيادة: أنه اختيار الله (أو جاء بآلية فرضها الله كآلية الشورى مثلًا)، والمقوم الثاني: هو مقوم العلم الناتج عن الخبرة التراكمية وكثرة الامتحانات التي تعرض لها واجتازها فلم تلن له قناة… وعندئذ لم يستطيعوا مواصلة السير، فنزلوا في هذه المحطة، ونزل معهم من كانت هذه غايتهم حين ركبوا قطار الدعوة! • والمحطة الثانية هي محطة السمع والطاعة للقيادة في غير معصية الله والناتجة عن اطمئنان الجندي لقائده، ومظاهرها إنفاذ الأمر على التو في العسر واليسر والمنشط والمكره، فلا جدال، ولا مراء، ولا جيوب، ولا تناجي بالإثم والعدوان ومعصية القائد، حتى وإن لم يبد للجندي الحكمة من الأمر، المهم ألا يكون فيه معصية الله «إن الله مبتليكم بنهَرٍ فمَن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده»، وقد يشق ذلك على النفوس إن صادف تعرضاً لمضرة أو حرماناً من شهوة؛ ولذا لم يثبتوا «فشربوا منه إلا قليلًا منهم».
وهؤلاء ينزلون في هذه المحطة وينزل معهم كل من قصرت بهم غايتهم ولم يتحملوا أعباء التكاليف.

• _ثم تأتي المحطة الثالثة وهي محطة التعلق بالأسباب والركون إليها ونسيان مسبب الأسباب: «فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده»، فالمعركة غير متكافئة لا من حيث العدد ولا من حيث العدة، والنصر في هذه الحالة بمقياس البشر مستحيل، وعندئذ تحدث الزلزلة وتتجلى حقيقة الإيمان، فيُدبر من تعلقت قلوبهم بالأسباب وآثروا العاجلة ونسيت قلوبهم الآخرة، فيقفزون من القطار مع بداية المواجهة وكلما طال أمد المعركة يتساقطون واحد تلو الآخر، ولا يتنزل النصر إلا على هذه القلوب المؤمنة المحتسبة الطالبة لإحدى الحسنيين التي لا تستمد قوتها وعونها إلا من الله وحده «قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين، فهزموهم بإذن الله» … بل إن النصر أتاهم على يد من ظنوا به الضعف «وقتل داودُ جالوتَ وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء»، وهذا التدافع بين الحق والباطل سنة الله في أرضه حتى قيام الساعة ولا تطيب الحياة إلا به «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين».
لنؤمن أن قطار الدعوة هو الوحيد الذي سيوصلنا إلى ديارنا حيث نحط رحالنا في جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، فلنتشبث به مهما كانت الضغوط والجواذب حتى وإن ركبنا في الدرجة الثالثة، حتى وإن ركبنا على سطحه، حتى وإن تعلقنا بأحد أبوابه، بل حري بنا أن ننافس على الدرجة الأولى، ثبتنا الله على طريق الحق حتى نلقاه وختم لنا جميعًا بخاتمة الرضا والقبول.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى