مقالات

الكأس الحلم ..نشوة الفوز والأكؤس الباقيات

د محمد سعيد باه

قال صديق لي، يحمل دماغا نفيسا من النوع الذي تحافظ عليه الأمم وتستثمرها للرقي نحو غد محمود قبيل المباراة بساعات: الأمة (يقصد السنغاليين) تحتاج في هذه اللحظة إلى الكأس…
رغم أن الملاحظة جاءت حين تسرب الحديث ونحن نناقش قضايا جادة فإنها استوقفتني قليلا ثم جعلتني أعيد النظر في الموضوع بصورة مكنتني من رؤية القضية من زاوية جديدة ودفعني ذلك لاحقا إلى القول لصديق آخر استنصحني في نص أعده عشية الكأس قصد نشره وكتبت له: ليست اللحظة للانتقاد ولا لإلقاء الدروس الأخلاقية من فوق منبر الإرشاد أو الوعظ.
لما رد الله إليّ روحي صباح اليوم وأثنيت عليه بما هو أهله ألح علىّ السؤال: ما درجة الحموضة التي كان السنغاليون سيشعرون بها في حلاقهم لو أنهم أصبحوا هذا الاثنين وقفز إلى أذهانهم أن الفريق الآخر قد حمل الكأس وهرول بها نحو ضفاف النيل وبقينا هنا على ضفاف السنغال نتلمّظ؟
أكان هذا الهدوء اللذيذ الذي أستشعره منذ البارحة سيرين في الأرجاء؟
ما الوضع السياسي الذي كان سينشأ عن ذلك بالتبعية ثم ما الطريقة التي كان هذا الشباب المشحون سيستقبل بها الفريق الوطني والسيد رئيس الجمهورية، رغم أنه سيعود حاملا وشاح رئيس الاتحاد الإفريقي وهو الآخر كأس إلا أن ضخامة الكأس الأخرى الآتية من «ياوندي» قد حجبتها حتي لا نقول حطمتها؟
والآن؟
أما وقد رفعنا الكأس عالية ورأتها أمم الأرض وأكدنا بأننا لسنا أقل منهم عطاء في ميادين المزاوجة بين الركل والعدو خلف تلك المستديرة التي لا تتوقف إلا لتنطلق فقد حان الوقت لنصرف بعض الجهد الجماعي المتناغم لنُريَ الناس مدى ما لدينا من العبقرية والشموخ علي ملء تلك الآلاف من الـ«كؤوس» التي ظلت فارغة أو «مجخّية»، منذ رفعنا الراية الثلاثية الألوان.
تطلع السنغاليون، منذ استحداث هذه الكأس عام 1957م وانطلاقتها بمدينة الخرطوم العاصمة السودانية إلي هذه اللحظة إلى معانقتها بل ثابروا علي مطاردتها بكل الوسائل واعتبرها البعض الدرة المفقودة لتاج مجدهم بين الأمم الإفريقية التي ظلت تنافسهم فيها وتختطفها من بين أرجلهم وخاصة في تلك اللحظات الخانقة التي كان فيها فريقهم الوطني (وصيف: 2002، 2019 م) قاب قوسين من الكأس.
حتى نستوعب الحالة النفسية التي راجت وعمت قبيل اللقاء الأخير إليكم هذا النموذج:
اتصل بي دكتور في الصيدلة قبيل المباراة بساعات للاستفتاء عن جواز سؤال الله النصر للفريق فارتأيت عدم التوغل في متاهات التحليل والتحريم فقلت له: ساعة أقف أمام البر الرحيم باسم الأمة فلدي جراب ضخم معبئ بالمطالب الكبرى ولن تكون الكأس في المقدمة: ماذا تفعل أنت في هذا المقام؟
غمغم بشيء أظنه أمّن على كلامي ثم وضع السماعة بأدب.
من المقومات الجالبات التي تجعل الأمم تنجذب نحو تلول المجد وجود ما يمكن أن نسميه بالحلم المشترك، وهو مطلب جوهري وظفه القرآن ما جعل المستجيبين لندائه من البدو يخرجون من تلك الكوة الصحراوية ليسعوا لاحقا إلى قرع أبواب المجد وهز أركان الحضارات الممكّنة ثم جعلها تنهار تحت أقدامهم وهم يعرضون علي البشرية خيارا أفضل وأنفع لها.
أولى القضايا التي علي أمتنا اليوم، وفي المقدمة القيادة بكل مكوناتها، أن تثيرها: كيف نستثمر هذا الزخم الجماهيري وخاصة لدى قطاع الشباب الذين يملأهم الحبور المتدفق بنشوة ما حققه «أسود التيرانغا» من إنجاز طال التشوف له؟
هنا نذكّر ببعض الكؤوس التي علينا السعي الحثيث والدؤوب لملئها قبل أن تفوت السانحة الذهبية التي تمر بالأمم فإذا لم تهتبلها بالتي هي أحسن لهثت طويلا للدراك، وهيهات!
إعادة بناء منظومتنا القيمية الضابطة التي يمثل تشوهها مصدر خطر على الأمة وعلى كل أمة، نعتبر وضعنا القيمي السائد عامل خطر وعنصر إعاقة لأي جهد للنهوض؛
تفكيك بنية بؤر الفساد التي تنخر في عروق المجتمع وتهدد بالخصوص قطاع الشباب الذين يمثلون القيمة الأولى من رأس مال الأمة الذي لا يمكن أن تخطو بالاتجاه الصحيح في حال عدم الحفاظ عليه ثم استثماره بصورة أمثل؛
كسر اليد الشريرة التي ظلت تنهب خيرات الأمة إلى جانب ممارسة تخريب ممنهج لإيقانها بأن يقظة الجماهير تعني بكل بساطة القضاء المبرم على وجودها الذي بمثابة سرطان ينخر في جسوم الأمم؛
السعي الحثيث للوصول إلى إعادة بناء الجوامع الوطنية المشتركة التي اهتزت كثيرا خلال السنوات العجاف التي مررنا بها حين حاول صغار المغامرين أن يجرونا إلى حافة هاوية الخطر وقد ازدادت إشارات التحذير حمرة خلال الاستحقاقات السياسية الأخيرة؛
الانهماك بسرعة في عملية جماعية على أن يكون عنوانها «زرع الأمل» وذلك لمكافحة جرثومة ذبول الأحلام التي انتشرت في صفوف الشباب ما جعلهم يختارون خوض تلك المغامرة التي تتجاوز نسبة انتهائها إلى موت مستيقن بعاصفة صحراوية أو بموجة عاتية وسط المحيط الأطلسي 99 %؛
استحداث آليات جيدة لملاحقة هذا التحول العميق الذي يشهده المجتمع والذي متى أفلت زمامه، ولا سمح الله، قادنا ذللك إلى منطقة التيهاء مجددا والتي ضربنا في جنباتها عقودا وخرجنا ونحن مثخنون بجراحات في النفوس وفي الأفكار كما تشهد على ذلك هذه الشروخ التي تملأ جسم الأمة؛
ثمة جملة ملاحظات أخرى لها وثيق ارتباط بالحدث نسوقها على عجل ونختتم بها هذا الاستطراد:
من المطالب التي يحسن السعي لاستثمار لحظة احتضان الكأس من أجل تحقيقها هذه الرنة الإيمانية التي تتعالى في صفوف الشباب عموما وفي أوساط الرياضيين خصوصا كما نجد ذلك متجسدة في سجدة لاعب وسط جمهور مبهور وفي لفتة إنسانية وفي موقف اجتماعي وفي خيار شخصي وينم كل ذلك عن رؤية واضحة لحقيقة الانتماء، وهو نفس جديد لا عهد لشبابنا به.
يجب أن نمعن النظر في دلالة كون علي سيسي المدرب الوطني الذي قاد الفريق في هذه السياحة الرابحة بضاعة وطنية صرفة وأصيلة، كم زمنا صرفنا ونحن نفضل المدرب الأجنبي المستورد على المدرب الوطني ودلالة ذلك في علاقتنا بالاستيراد والامتراء من الشرق ومن الغرب.
إن الدماغ السنغالي ومن ورائه الإفريقي أصيل ويحمل جينات نفيسة تحتاج فقط إلى جو غير موبوء لتنمو غير مسرطنة بفعل السموم الأجنبية، وعليه يجب أن نستوعب بأن زعم الآخر بأن السر في الأقدام فقط كذب صراح بل موجود وبكثافة في الخلايا المتحكمة وفي الأيدي الماهرة يبقى فقط أن نحسن تنسيقها واستثمارها.
على غرار المدرب الوطني فلنراجع حساباتنا في المدربين الآخرين في العديد من المجالات في البنوك، الشركات والإنشاءات الخاصة وخاصة ونحن واقفون على مشارف عهد النفط والغاز حتى لا نقع في فخ «الأَسْر» مرة أخرى ونرتهن مستقبل الأجيال القادمة كما فعل جيل الاستقلال معنا أولائك الذين ظلوا إلى آخر لحظة يشيمون بروق «باريس» فإذا هي في نهاية المطاف سراب ركم بعضه فوق بعض.
تهانينا لكل الفرق المشاركة وعلي رأسها فريق مصر الحبيبة!
نقطة أخيرة، لم أر في حياتي لعبا ولهوا يشبه الجد مثل لعبة كرة القدم!
ألا نجرب تحويل المجرى لنرى تدفق السيول…؟
دمتم في سابغ كلاءة الرحمن!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى