أخبار

الرّسول عليه الصّلاة والسلام ( رجل دولة ، وقائد سياسي إستراتيجي)

جبريل لي السماوي

الرّسول عليه الصّلام والسلام كان يعرف بأنّ مخابرات قريش ( دار النّدوة ) في اجراءات خطيرة ، وبشكل يومي، لإيقاف ولتحطيم دعواته ورسالته وثورته المباركة ( الاسلام الذي جاء لصناعة الانسان ، ليربّي النّفس ، ويطهّر الرّوح، وليغذي العقل ، وليكون منهج حياة للبشريّة ) لأنّه فهم منذ البداية، بأنّ الانسان المصلح، أو القائد الجيّد ، الذي يأتي لإدارة (الثورة العلميّة المعرفيّة ) لأجل نشر الوعي الفكري، ولصناعة مجتمع راق ( فكرا، ثقافة، دينا، أخلاقيّا ) ولاجهاض الكثير من المصالح الشخصيّة ، دوما ينبذه القيادات الجشعة ، واللوبيات، ورجال مافيا، الذين يشعرون بتهديد مصالحهم التي يتحكّمون بها على الشعوب.. ولأجل هذا لجأ إلى دار الأرقم ابن أبي الأرقم، كأولى مدرسة اسلاميّة ، لبناء (العقل الاسلامي) ولصناعة القادة، والنخب الاسلاميّة ، من السياسيين كأبي بكر الصدّيق، ومن الاستراتيجيين كحمزة ابن عبد المطّلب ، ومن الاداريين ورجال دولة، كعمر ابن الخطاب، وحتّى رجال في مجال الدبلوماسية، مثل جعفر ابن أبي طالب الذي ، لولا عبقرته الدبلوماسية، لما نجح في اقناع ملك الحبشة (أصحمة النّجاسي) عبر لغة الحوار، وتبادل الكلام ، رغم أنّ قريش أرسلت أحد أفضل رجالها الدبلوماسيين (عمرو العاص) داهية العرب ، لأجل شيطنة الاسلام أمام النّجاسي…

الرّسول عليه الصّلام والسّلام وصل إلى المدينة وبنى مسجدا، ليكون مرجعا دينيّا وسياسيّا ( الجمع بين الدّين والدّولة ، بين الشريعة والحياة) فالمسجد النبوي الشّريف، كان مكانا لتغذية الأرواح، ولتربية النّفوس ، كما أنّه كان مؤسّسة صلبة للدّولة الاسلاميّة ، يدير فيها الرّسول شؤون الحياة السياسيّة . ثمّ ركّز على المجال الاقتصادي فزرع في عقول الصحابة فكرة ( العلمُ والعمل ) فكان فيهم مزارعون ، تجّار ، رعاة غنم . وقد طوّر الرّسول عليه السلام (سياسية انتاج التّمر ) داخل المدينة المنوّرة ، ليعتمد على إمكانياته الخاصة، للحصول على احتياجاته من السلع الاستهلاكية والاستثمارية، بهدف التقليل من مستوى التبعية السياسية والاقتصادية للدول الأخرى وبالتالي تحقيق درجة أعلى من الاستقلالية في قراراته ومواقفه الدولية والداخلية في المستقبل؛ مع العلم أنّ اليهود، من كانوا يديرون القطاع الاقتصادي داخل المدينة ، فيمكن لهم قطع التبادل التجاري مع الرّسول في كلّ وقت .

بعدما استقرّت الحياة الاجتماعيّة، والسياسة الداخليّة، في المدينة المنوّرة ، اهتمّ الرّسول بصناعة الأسلحة ، وعمل (صلى الله عليه وسلم) على زيادة قوة الفرسان في جيش الإسلام، وأتقن المسلمون عندها صناعة عدة الخيول، وما تتكون منه كاللجم والسروج والحدوة، وصنعوا للفارس العمود والمطرقة، وذلك بالإضافة إلى الأسلحة المعروفة لديه في الجاهلية كالسيف والرمح والمدية والترس والدرع والخوذة والمغفر. لأنّه يعرف حتما ، سيخوض نزاعات وصراعات وحروب ، تتذكّرون لمّا تبعه سراقة ابن مالك في طريق الهجرة وقال له ( كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى) كان له مشروع وبرنامج سياسي ضخم ، والتوسّع جغرافيا ، لكن بدون التركيز في صناعة الأسلحة، وبناء القوّة العسكريّة ، لا ينجح هذا المشروع الضخم ، المشروع الذي يستهدف اسقاط أكبر امبراطورية آنذالك ( الامبراطوريّة الفارسيّة) كما استفاد من بعض المهاجرين ( سلمان الفارسي) استراتيجيّة خطةّ الخندق ، فهزم بها قوّة الكفّار الذين تحالفوا جميعا في غزوة الخندق للخناق عليه وعلى برنامجه الاسلامي والسياسي.

بعدما هزم الكثير من الجيوش ، وفرض نفسه اقليميّا، كقوّة سياسية اسلامية عسكريّة ، فتح مجال العلاقات الدبلوماسيّة، لأجل توسيع نفوذ الاسلام والمسلمين ، فأرسل رسائل إلى أهم القوى السياسية في ذالك الحين خارج جزيرة العرب ، ودعاهم إلى الاسلام ، والجميل في الرسائل والبعثات الدبلوماسية ، أنه وضع معايير دقيقة ظلّت متبعة إلى العصر الرّاهن لاختيار السفراء ،فالسفير حمل اللّباقة والكياسة وحسن الحديث ومنطقه ، فيما حملت الرسائل أدوات العصر حينها مثل ( الخاتم النّبوي) فكان اختيار دحية الكلبي ليكون سفيرا إلى هرقل عظيم الرّوم لما يضرب به المثل في حسن الصّورة والفروسيّة والعلم بالرّوم ، وأرسل صلى الله عليه وسلّم عبد الله ابن حذافة إلى كسر عظيم الفرس لدرايته بالفرس ولغتهم ، إضافة إلى أنّه مضرب الأمثال في الشّجاعة ورباطة الجأش . وإلى المقوقس ملك مصر أرسل حاطب ابن أبي بلتعة ، أحد أشجع فرسان قريش وأكثرهم علما بالنّصرانيّة . كما اتّصفت رسائله عليه الصلاة والسلام بالرّصانة والقوّة مع التأدّب وبيان الحجّة وصياغة كلّ منها بما يتناسب ، والخلفيّة العقديّة لكلّ ملك أو أمير .

خلاصة القول : سيبقى الرّسول عليه الصلاة والسلام أقوى رجل سياسي ، وقائد صنع الحضارة والنّهضة على مرّ التّاريخ . فالمسلمون بحاجة إلى قراءة الدين والوحي بروح أخرى ، مغايرة تماما للتي يقرؤن بها تعاليم السماء ، بنظرة عميقة ، بزوايا متعدّة، كي يفهموا بأنّ هذا الدين لم يأت ليكون جرعة معنويّة، يهتم بالروحيات فحسب ، وليعرفوا أنّ الدين جاء ليعطي للحياة معناها ، لينقذ البشريّة من كلّ قوى الظلام ، ليرسم للانسان خريطة ومنهج وأسلوب الحياة .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى