
الحُكم أم التسيير؟ أزمة السلطة في الأنظمة الفاشلة
بقلم عمر علي نيانغ
في ظل التحولات الدولية المتسارعة، والتحديات المتزايدة التي تواجه المجتمعات، لم يعد بالإمكان التغاضي عن سؤال محوري: هل تملك أنظمتنا الحاكمة سلطة فعلية؟ أم أنها مجرّد كيانات إدارية تُسَيَّر من خلف الستار، عاجزة عن اتخاذ القرار الحر والمستقل، وفاقدة لوظيفة الحكم بالمعنى السيادي الحقيقي؟
بين الشكل والمضمون
في العديد من الدول، يتكرر نمط مألوف: حكومات تتغير، وزارات تُعدّل، خطابات تُلقى، ومبادرات تُطلق. ومع ذلك، تبقى الأزمات على حالها، بل تتعمق، وتتسع هوة الثقة بين الدولة والمواطن. لماذا؟ لأن ما يُمارس ليس “حُكمًا” حقيقيًا، وإنما تسيير شكليّ يُحافظ على استمرارية النظام لا فاعليته.
الحكم يقتضي القدرة على اتخاذ قرارات كبرى، حتى لو كانت غير شعبية، وتحمل نتائجها، وبناء مؤسسات تمتلك الاستقلالية والمشروعية، بينما التسيير لا يتعدى إدارة الشؤون اليومية، غالبًا بقرارات ارتجالية، مؤقتة، سطحية، وعاجزة عن معالجة الجذور العميقة للمشكلات.
من يُسَيِّر من؟
في الأنظمة الفاشلة، يصبح السؤال مشروعًا: من يُسَيِّر من؟ هل الدولة تُدار من قِبل مؤسساتها الرسمية؟ أم أن السلطة الحقيقية بيد مجموعات ضغط، مصالح اقتصادية، مراكز نفوذ عائلية أو قبلية، أو حتى أطراف خارجية تفرض إيقاعها من وراء الحدود؟
حين تفتقد الدولة لسيادتها في القرار الاقتصادي، أو حين تُقرّر سياساتها الخارجية في عواصم أخرى، فذلك يعني أن الحاكم الفعلي ليس من يعتلي المنصة، بل من يتحكم في مفاتيح القرار من خلف الستار.
الشرعية الغائبة
تُظهر التجربة التاريخية أن الأنظمة التي لا تستمد مشروعيتها من شعوبها، ولا تُؤسس شرعيتها على المشاركة والمساءلة، تسقط عاجلاً أو آجلاً، أو تُختزل في أدوات بلا مضمون. الشرعية لا تُكتسب عبر الشعارات، بل تُبنى بالثقة، بالإنجاز، وبالقدرة على الحكم الرشيد. أما أنظمة “التسيير”، فغالبًا ما تعيش في ظل الطوارئ السياسية، تكتفي بردود الفعل، وتعجز عن استشراف المستقبل، لأن بنيتها قائمة على الخوف لا الإصلاح، وعلى الحفاظ على المصالح لا تأمين الحقوق.
النتائج الكارثية
الأنظمة المُسَيَّرة، مهما طال عمرها، تُخلِّف وراءها مجتمعات مأزومة، واقتصادات منهكة، ومؤسسات فاقدة للفعالية. في ظلها تتسع رقعة الفقر، وينتشر الفساد، وتُقمع الكفاءات، ويُستنزف الشباب بين الهجرة القسرية أو الإحباط الداخلي. والمفارقة أنها غالبًا ما تُبرِّر عجزها بوجود مؤامرات خارجية، بينما الواقع يثبت أن الخلل ذاتي في بنيتها ومنهجها.
الطريق إلى الإصلاح
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من تغيير الأشخاص، بل من إعادة تعريف وظيفة السلطة نفسها. المطلوب اليوم هو الانتقال من منطق “التسيير الإداري” إلى منطق “الحكم المسؤول”، أي سلطة تمتلك القرار، تقوده برؤية استراتيجية، وتحكم بمنطق السيادة لا التبعية، وبالعدل لا التسلط.
هذا التحول لا يأتي بالتمني، بل بإرادة سياسية جريئة، وبتعبئة مجتمعية واسعة، وبتحالف نخبوي حقيقي بين صانعي القرار والمجتمع المدني والمفكرين، لإعادة الاعتبار لمبدأ “الحكم من أجل الناس، لا الحكم على الناس.

