أخبار

“الحرب الروسية الأوكرانية”… هل تخشى أفريقيا أثر الفراشة؟‌

أ. صفا عيد

ما إن اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية حتى سارعت دول أفريقية بإعلان موقفها من الغزو الروسي لأوكرانيا فقد أعرب كل من الرئيس السنغالي – رئيس الاتحاد الإفريقي ماكي صال، ورئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي موسى فقي محمد، عن “قلقهما البالغ إزاء الوضع الخطير والخطير للغاية الذي اندلع في أوكرانيا” في بيان مشترك، مؤكدين أنه “على الاتحاد الروسي وأي جهة إقليمية أو دولية أخرى أن تحترم بشكل حتميّ القانون الدولي وسلامة أراضي أوكرانيا وسيادتها الوطنية”.
في حين ندَّد مارتن كيماني، سفير كينيا لدى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بالغزو وقال “وحدة أراضي وسيادة أوكرانيا قد انتُهكت”، مضيفًا أن “الوضع الراهن يردّد صدى تاريخنا؛ حيث نشأت كينيا والعديد من الدول الإفريقية من رحم نهاية إمبراطوريات استعمارية، ولم نرسم حدودنا بأنفسنا، وإنما تم ذلك في العواصم الاستعمارية البعيدة في وقت الاستقلال، وإذا اخترنا متابعة الدول على أساس التجانس العرقي أو الديني؛ فسنظل نشنّ حروبًا دموية”؛ على حد تعبيره.
فيما دعا السفير الأوكراني في نيروبي، أندري برافيدنيك، “الدول الصديقة” إلى تعزيز القدرات الدفاعية لأوكرانيا؛ من خلال تزويدها بالأسلحة والمعدات العسكرية، وذلك خلال لقاء مع الصحافة.
الملفت للنظر الانتقادات التي تعرضت لها، ناليدي باندور، وزيرة العلاقات الدولية والتعاون في جنوب إفريقيا، حيث حثت قبل اندلاع الغزو جميع الأطراف على إيجاد طريقة دبلوماسية للخروج من الأزمة، وبعد ساعات قليلة، غزت روسيا أوكرانيا وجاءت ردة فعل مواطني جنوب أفريقيا ساخرة ومنتقدة لتصريحات باندور متسألين لماذا يجب أن تتدخل جنوب أفريقيا في أوكرانيا في حين تظل جنوب إفريقيا عاجزة عن مساعدة زيمبابوي أو موزمبيق ولماذا لا تلقون نظرة على قضايانا الداخلية” بحسب ما تداوله نشطاء جنوب أفريقيين على صفحات التواصل الاجتماعي.
جاء الرد على المنتقدين بمقال أوردته إحدى الصحف الجنوب أفريقية قائلة “قد تبدو طبول الحرب التي تدقّ فوق أوكرانيا منفصلة عن قضايا العدالة الاجتماعية، وقد تبدو باهتة وبعيدة بحيث لا تستحقّ الكثير من الاهتمام، لكنها ليست كذلك؛ حيث ستطال تداعيات الحرب فور نشوبها كل قرية وبلدة في جنوب إفريقيا وحول العالم”؛ حسب ما وردَ في المقال.
وبالفعل تعاني جنوب إفريقيا من ارتفاع أسعار الوقود لمستويات قياسية وسط أزمة اقتصادية واجتماعية حادة، ورغم ذلك يمكن أن يؤدي هذا الوضع إلى زيادة صادرات جنوب إفريقيا إلى البلاد التي قد يتأثر إنتاجها مع منافسها الرئيسي في تصدير الكونفيت؛ باعتبارها ثاني أكبر منتج في العالم لهذا المعدن الذي يحظى بتقدير صناعة السيارات وفي قطاع التقنيات خلف روسيا مباشرة.
وعلى الرغم من التأثيرات المتوقعة على القارة، خارج جنوب إفريقيا، أدانت أصوات إفريقية قليلة حتى الآن غزو الاتحاد الروسي لأوكرانيا.
بكل الأحوال تثير الحرب الروسية الأوكرانية مخاوف من ارتفاع وشيك في الأسعار في القارة الإفريقية التي لا تزال تكافح تداعيات تفشي جائحة كوفيد -19؛ وبين الصمت الحذر والإدانة، تخشى إفريقيا نظرية “تأثير الفراشة”، فضلاً عن قلقها على سلامة عشرات الآلاف من مواطنيها المقيمين في الأراضي الأوكرانية.
أول ما يتبادر إلى الأذهان من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية هو أزمة القمح ففي ظل انتشار الجيش الروسي في أوكرانيا؛ تثير احتمالات انخفاض إنتاج الحبوب مخاوف من ارتفاع الأسعار، خاصةً أن العديد من الدول الإفريقية تستورد معظم قمحها من روسيا وأوكرانيا اللتين هما في حالة حرب في الوقت الراهن، كما أن مصر تستورد قرابة 90٪ من قمحها من روسيا وأوكرانيا أيضًا، وتستورد ليبيا 43٪ من إجمالي استهلاكها من القمح من أوكرانيا، وشأنها في ذلك شأن كينيا التي تستورد ما يعادل 75٪ من قمحها من أوكرانيا وروسيا؛ وفقًا لإحصاءات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو).
وتعتبر روسيا في الوقت الحاضر أول مُصدِّر للقمح في العالم؛ حيث قامت بتصدير 18 مليون طن من القمح في عام 2020م، بينما تأتي أوكرانيا في المرتبة الخامسة في قائمة المصدِّرين. ورغم ذلك، تسبّب الصراع الروسي الأوكراني في ارتفاع حادّ في أسعار القمح إثر اندلاعه؛ حيث شهد سعر طن القمح المطحون في يورونكست ارتفاعًا إلى 344 يورو في 24 فبراير (بزيادة تقدر بـ12٪ في أقل من 24 ساعة).
كما تستورد الجزائر كميات ضخمة من الحبوب من أوكرانيا وروسيا، غير أنها يمكن أن تستفيد من ذلك الصراع؛ من حيث ارتفاع أسعار الطاقة؛ باعتبار أن ثلث الغاز الذي يستهلكه الأوروبيون من روسيا. واعتبارًا من 24 فبراير، أكدت الجزائر، التي تمثل المُورّد الثالث للغاز في أوروبا، عن استعدادها للمساهمة في أمن الطاقة لشركائها من خلال تأمين الإمداد بالمواد الهيدروكربونية على وجه الخصوص الغاز الطبيعي.
وطالما أتينا على ذكر الطاقة، فقد ارتفع سعر النفط في أعقاب أنباء الهجوم العسكري الروسي على أوكرانيا؛ ليصل إلى قرابة 100 دولار للبرميل.
هنا نخص بالذكر كينيا التي تخشى من ارتفاع أسعار النفط الذي سيؤثر بشدة على أسعار النقل؛ فضلاً عما قد يسبّبه ارتفاع أسعار صرف الدولار مقابل العملات الأخرى من ضغوط إضافية على العملة الكينية ولكن لدى الكينيين سبب إضافي يدعو للقلق بشأن الصراع الروسي الأوكراني؛ حيث كانت روسيا، في عام 2021م، رابع أكبر مستورد للشاي الكيني بقيمة تقارب 50 مليون يورو، إضافة إلى أن كينيا تستورد معظم قمحها من روسيا وأوكرانيا.
وفي الوقت نفسه، تستعد الأسواق المالية لهروب رأس المال المحتمل؛ حيث يفضّل المستثمرون في أوقات الأزمات أمان الأسواق الغربية عن الأسواق الناشئة، بالإضافة إلى عواقب مباشرة على بورصة نيروبي للأوراق المالية.
أزمة خبز، وأزمة طاقة، وأزمة ارتفاع الأسعار، مخاوف تثير قلق الأفارقة من الأزمة الروسية الأوكرانية ويضاف إلى كل ما سبق أن روسيا تعتبر أحد مُصدّري الأسلحة إلى القارة الإفريقية؛ كما أن العلاقات التجارية القوية التي طورتها أوكرانيا مع عدد من الدول الإفريقية منذ الحقبة السوفييتية ستتأثر، بالإضافة إلى ذلك يستفيد عشرات الآلاف من الطلاب من المِنَح الدراسية في أوكرانيا، لتنضم إلى قائمة المخاوف الأفريقية من تداعيات هذه الأزمة والحرب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى