أخبار

الاقاليم الجنوبية للمملكة: مسيرة تنمية الانسان والنهوض بالمجال

د. حنان السالك

تعرف الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية، منذ تحريرها من ريقة الاستعمار في نونبر 1975، دينامية تنموية مندمجة، مضبوطة الأثر ومسترسلة على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية بفضل القيادة الرصينة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس دام له النصر والتمكين.
يشكل النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية للمملكة، الذي أطلقه صاحب الجلالة بمدينة العيون بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء المظفرة (نونبر 2015)، مبادرة خلاقة ومبتكرة تعكس رؤية استشرافية تتوخى جعل هذه الأقاليم نموذجا للتنمية الجهوية المندمجة والمستدامة، مستندة على تشخيص دقيق للوضع في الاقاليم الجنوبية، ومرتكزة على مجموعة من المخططات والمشاريع البانية، ويتأسس النموذج التنموي على مبادئ تتعلق بتقوية دعائم التنمية البشرية المندمجة، وتأمين مشاركة الفاعلين ذوي الصفة التمثيلية والساكنة المحلية في كل مراحل إعداد وتفعيل البرامج التنموية بالجهة، واحترام فعلية الحقوق الإنسانية للمواطنين، ودعم مكانة الدولة كمنظم وضامن لتطبيق القانون.
“النموذج التنموي قاطرة التنمية بالأقاليم الجنوبية للمملكة”
وفتح النموذج التنموي افاقا جديدة وواعدة بالجهات الجنوبية للمملكة، بفضل تنفيذ مشاريع كبرى وتخصيص استثمارات عمومية في مجال البنيات التحتية والتجهيزات، رصد لها غلاف مالي هام يبلغ حوالي 80 مليار درهم وإبرام عقود برامج لإنجاز ما يفوق 700 مشروعا، تغطي كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية.
ومن أهم هذه المشاريع الطريق السريع الذي يربط بين مدينتي تزنيت والداخلة على مسافة 1055 كلم بغلاف مالي يقدر بـ10 مليار درهم، وميناء الداخلة الأطلسي بغلاف مالي يقدر ب 10 مليار درهم، وإنجاز مواقع الطاقة الريحية والطاقة الشمسية في العيون وطرفاية وبوجدور بطاقة إجمالية تقدر ب 600 ميغاواط، بغلاف مالي يقدر ب 8,7 مليار درهم، ومشروع البرنامج الصناعي فوسبوكراع بالعيون بغلاف مالي يقدر ب 17,8 مليار درهم، فضلا عن برامج التأهيل الحضري بغلاف مالي يقدر ب 3,4 مليار درهم.

وقد أنجزت أغلب مشاريع النموذج التنموي، وتتجاوز باقي المشاريع أكثر من 70 بالمائة من نسبة تقدم إنجازها، وتشكل هذه المشاريع الكبرى رافعة أساسية لدعم المؤهلات الطبيعية والبشرية التي تزخر بها المنطقة، ومكنت من خلق منظومة مندمجة محفزة للاستثمار ومدرة لفرص الشغل لاسيما للشباب، وتحسين الخدمات الاجتماعية والاساسية المقدمة للساكنة.

ولتنفيذ عقود برامج النموذج التنموي تم التوقيع على مجموعة من الشراكات والاتفاقيات بين القطاعات المعنية والمجالس المنتخبة بالجهات الثلاث بلغت حوالي 38 اتفاقية شراكة، وتجسد المشاركة السياسية العالية لساكنة المنطقة المعبر عنها في الانتخابات المغربية المنظمة في شتنبر 2021 ، تعبيرا صريحا وفعليا عن انخراطهم التام والجاد في مسارات البناء والإصلاح الوطني والاقلاع التنموي الذي تعرفه مدن الجنوب.
“انتصارات دولية وأممية للمغرب تعزز إشعاع الأقاليم الجنوبية للمملكة
في العلاقات الدولية”
راكم المغرب مجموعة من الانتصارات الدولية والأممية في ملف الوحدة الترابية، ابتداء من العملية الناجحة لتأمين معبر الكركرات في نونبر 2020، والاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، واعتبار اسبانيا وألمانيا لمبادرة الحكم الذاتي بمثابة الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية من أجل تسوية الخلاف المفتعل بالصحراء المغربية، وقرار مجلس الأمن رقم 2654 الذي ثبت جهود الأمم المتحدة والمنتظم الدولي للتوصل الى حل سياسي تحت السيادة المغربية للنزاع المفتعل بالصحراء المغربية. وقيام حوالي 40 بالمئة من الدول الافريقية بفتح قنصليات في العيون والداخلة، بما يعكس التوجه العام داخل القارة الافريقية لفائدة دعم الوحدة الترابية للمغرب وحقوقه المشروعة على هذا الجزء من أراضيه. وقد عززت هذه الانتصارات الدبلوماسية المحققة بفضل القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، فرص اقلاع مدن الجنوب وشجعت الاستثمارات الدولية الهامة بها، وجعلتها قطبا لخلق الثروات على المستوى الوطني والقاري والدولي.
ففي إطار تعزيز التعاون جنوب-جنوب الذي يرعاه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، انفتحت المجالس المنتخبة للأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية على المؤسسات التشريعية الدولية، حيث عقد البرلمان الانديني في يوليوز 2022، جلسته العامة الأولى بمدينة العيون حاضرة الصحراء المغربية، وهي المرة الأولى التي تعقد فيها خارج أمريكا اللاتينية، وشكلت زيارة وفد البرلمان الانديني فرصة لاستثمار فرص التعاون المشترك بين الجهات الجنوبية كواجهة افريقية وأمريكا اللاتينية بما يضمن الأمن والاستقرار والعيش الكريم لشعوب هذه المناطق.

وضمن سياق التصدي بالوسائل السلمية والحضارية للتحديات السياسية والأمنية والاقتصادية التي يواجهها عالم اليوم، استضاف البرلمان المغربي بمدينة الداخلة أشغال “الدورة العاشرة للبرلمان الدولي للتسامح والسلام” وقد عرفت هذه الدورة الهامة مشاركة أزيد من 80 برلمانيا يمثلون مختلف برلمانات دول العالم، وأعلن رئيس “المجلس العالمي للتسامح والسلام”، عن افتتاح المكتب الاقليمي للمجلس بمدينة الداخلة وتسميتها “عاصمة التسامح والسلام لعام2022 “. وجرى على هامش الجلسة الختامية توقيع مذكرات تفاهم وعمل مشترك في مجال العمل البرلماني وتبادل الخبرات والزيارات.

ويعد البرلمان الدولي للتسامح والسلام من أهم الهيئات التابعة للمجلس العالمي للتسامح والسلام، المنظمة الدولية التي تعنى بترسيخ المبادئ الانسانية السامية ونشر قيم التسامح والسلام بين الشعوب والدول وفق توجهات ومبادئ الأمم المتحدة، واختيار المغرب لتنظيم هذا الحدث لم يكن وليد الصدفة ولم يأت من فراغ فالمملكة المغربية اليوم تلعب دورا محوريا في ارساء قيم التسامح والسلام حول العالم ومحاربة كافة اشكال الارهاب والعنف، وهو ما ينسجم مع تصدر المغرب “للمرتبة الأولى عالميا في المساهمة في السلم والأمن الدوليين” وفق اخر تقرير صادر متعلق “بمؤشر الدول الجيدة برسم سنة 2022”.

وفي اطار تعزيز دينامية فتح القنصليات التي أكد عليها صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطابه السامي بمناسبة تخليد ذكرى ثورة الملك والشعب باعتبارها جزء من التطور الايجابي الذي تعرفه قضية الوحدة الترابية للمملكة، سيتم عقد اجتماع وزاري بمدينة العيون أو الداخلة، للدول التي فتحت قنصليات في الاقاليم الجنوبية للمملكة.
ولتقوية وتعزيز الروابط التاريخية التي تربط المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية واسبانيا، تم التوقيع على اتفاقية للتوأمة بين مدينة الداخلة ومدينة « GREAT NECK » الأمريكية، بحضور عمدتها وعدد من السياسيين والفاعلين الاقتصاديين والمستثمرين، واعرب الوفد الامريكي عن مدى اعجابهم بالتجربة النموذجية التي تعرفها الجهة في إطار ورش الجهوية المتقدمة والمسار التنموي والديمقراطي الذي انخرطت فيه، وكذا التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة منذ استرجاعها والتعبير عن رغبتهم في مد جسور التعاون والشراكة مع المجالس المنتخبة.

كما وعقدت مدينة العيون في أكتوبر 2022، اتفاقية توأمة مع مدينة « METZ » الفرنسية، تمتد لثلاث سنوات، وتتوخى توطيد العلاقات السياسية والاقتصادية بين المغرب وفرنسا، ونقل صورة حقيقية عن تدبير جماعة العيون حاضرة الجنوب وبسط المؤهلات والفرص المفتوحة، واستعراض حجم الامن والاستقرار المعاش في المنطقة امام النخب السياسية الفرنسية.

وعلى المستوى الاقتصادي وقعت المجالس المنتخبة لجهتي العيون الساقية الحمراء وجهة الداخلة وادي الذهب مجموعة من اتفاقيات الشراكة ومذكرات التفاهم مع مجموعة من الشركاء الدوليين، منها ماتم عقده بمناسبة “منتدى المستثمرين الدوليين” المنعقد بمدينة الداخلة في شتنبر 2022 تحت شعار “جهة الداخلة وادي الذهب مركز نمو مستقبلي للمقاولات الدولية”، والذي شارك خلاله عدد من المستثمرين الذين يمثلون أكثر من 50 دولة من كل بقاع العالم. وشكل المنتدى فرصة لتعزيز العلاقات الاقتصادية والنهوض باقتصاد الجهة وإطلاع رجال الأعمال الأجانب على مؤهلاتها وفرصها الاستثمارية، وجرى على هامشه التوقيع على بروتوكولات اتفاق تهم الاستثمار في العديد من قطاعات الأنشطة وإحداث فرص للشغل والتحفيز على الاستثمار وإنشاء صناديق للاستثمار وتوحيد الجهود لتشجيع الاستثمارات في الجهة التي تتمتع بموقع استراتيجي ورأسمال بشري مؤهل ومؤهلات تجعل منها رافعة حقيقية للتنمية السوسيواقتصادية.
ونشير في هذا الصدد أن جهة الدخلة وادي الذهب سبق ونظمت بشراكة مع وزارة الصناعة والتجارة لقاءا هاما بنيويورك حول “الاستثمار المغربي الأمريكي” في يونيو 2022، أبرزت خلاله جميع الفرض الاستثمارية الواعدة بالمنطقة وتنظيم ندوات قطاعية قدمت خلالها عروض تفصيليةحول الامكانات الاقتصادية والبنية التحتية للجهات الثلاث للصحراء المغربية.

كما وشكل “منتدى الاستثمار المغرب-اسبانيا” المنعقد بالداخلة، مناسبة لمناقشة فرص الاستثمار والاعمال في مختلف القطاعات، الفلاحة التضامنية ذات القيمة العالية والسياحة واللوجستيك والطاقات المتجددة والصيد البحري، واستعراض المؤهلات الاقتصادية وفرص الاستثمار التي توفرها الجهة وابراز موقعها كمنصة للتبادل التجاري وبوابة لولوج السوق الافريقية، وكتبت صحيفة “لابروفينسيا” الاسبانية” مدينة الداخلة التي احتضنت يومي 21-22 يونيو 2022 منتدى الاستثمار المغرب-اسبانيا، كرست مكانتها كمنصة قادرة على اجتذاب الاستثمارات في مختلف المجالات”.

ولإرساء روابط استثمارية متنوعة بين الاقاليم الجنوبية للمملكة وافريقيا، نظم المجلس الجهوي للداخلة الملتقى الاستثماري ” Africa executive meeting” بشراكة مع الغرفة الافريقية للتجارة والخدمات بالعاصمة الايفوارية أبيدجان خلال الفترة 21 و22 أكتوبر 2022.تم من خلاله فتح افاق واعدة للتعاون والشراكة بين المنطقتين.
“استثمارات عمومية للنهوض بالمجالات الرياضية والثقافية والاجتماعية والبيئية للأقاليم الجنوبية”
تتواصل بمدن الجنوب دينامية تنموية منقطعة النظير ترعاها العناية الخاصة التي يوليها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله لهذه الربوع من المملكة، حيث أصبحت مدينتي العيون والداخلة اليوم وجهة للبطولات الرياضية والسياحية والثقافية الوطنية والدولية تحت الرعاية الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، بفضل توفرها على مؤهلات سياحية واعدة وبنيات رياضية وثقافية ارتكازية وفضاءات ترفيهية مؤهلة وفي مستويات عالية وتنافسية.
حيث تعرف مدينة العيون صيرورة دائمة ومتواصلة من الاوراش المفتوحة، منها مشاريع لتعزيز البنى الرياضية المتواجدة بها، منها الأقطاب الرياضية المتكاملة وملاعب للقرب الموزعة بشكل عادل بكافة أحياء المدينة، تقدم خدمات مجانية للمستفيدين منها من جميع الفئات، ومنها مشاريع جديدة كالملعب الأولمبي الضخم الذي تتواصل أشغال بنائه بوتيرة مطردة، وتدشين المركز الجماعي للتكوين في كرة القدم.
كما وتتمتع مدن الجنوب بواجهة حضارية ولمسة جمالية بفضل المساحات الخضراء والفضاءات الترفيهية والساحات العمومية التي تم تدشينها بها، ومكنت هذه لمشاريع بمدينة العيون من خلق أزيد من 750 منصب شغل مباشر، وأزيد من 500 منصب شغل غير مباشر، وكذلك غرس أزيد من 000.20 شجرة وأزيد من 000.10 نخلة، ومكنت كذلك من بسط أزيد من 1800 كيلومتر طولي من أشجار التصفيف. وتم بسط أزيد من 60 هكتار من المساحات الخضراء الحضرية بمدينة العيون وتوفير حوالي 2 ,6 متر مربع من المساحات الخضراء لكل مواطن.
وفي سياق تنزيل مقتضيات المكون الثقافي من عقد برامج التنمية للجهات الجنوبية، يتم سنويا تنظيم مهرجانات وعروضا مسرحية حسانية محلية وجهوية وندوات ولقاءات ثقافية بجهتي العيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب، تعنى بصون الموروث الحساني واللهجة الحسانية، وفتح قنوات امام الفاعلين الثقافيين الجهويين والوطنيين والدوليين للتعرف والاطلاع عليها.
ولقد مكنت المجهودات المبذولة بجهتي العيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب، من إرساء منظومة متكاملة من التجهيزات الاساسية والخدمات الاجتماعية، تضم خريطة مؤسساتية متنوعة وبمواصفات عالية، من البنى والمدن الجامعية للكفاءات والمهن، ودور الشباب وفضاءات المرأة والطفل، والمراكز الاجتماعية والصحية تقدم خدمات الرعاية والتكفل للفئات الهشة والمرضى والأشخاص ذوي الإعاقة.
وبحسب التقرير الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط، فإن المؤشرات التنموية بالحهات الجنوبية للمملكة تفوق في أغلب الأحيان المعدلات الوطنية، على غرار مؤشرات الصحة والتعليم ومستوى معيشة السكان، وذلك بفضل اعتماد مقاربة تنموية شاملة ترتكز على محورية الرأسمال البشري وحقوق الانسان في دينامية التنمية، وفق أبعاد متعددة تشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية.
وبفضل المجهودات المبذولة والاستثمارات العمومية المهمة بمدن الجنوب، تمكنت المنطقة التي تخلق ناتجا خاما بقيمة 20 مليار درهم، من احتلال المرتبة الثالثة من حيث معدل الاستثمارات لكل نسمة ومستوى البنيات التحتية والتجهيزات على المستوى الوطني. وتعرب الوفود الاجنبية لجهتي العيون والداخلة، سواء المشاركة في التظاهرات الدولية الاقتصادية والسياسية او الثقافية والرياضية، عن انبهارها بمستوى البنيات التحتية والتجهيزات والمنشات والمشاريع الهامة المنجزة، وما تشهده المنطقة من تحولات جعلها محط انظار العالم وقبلة للاستثمارات بحكم موقعها الجيو-استراتيجي كبوابة للمغرب نحو دول افريقيا جنوب الصحراء.
بعد سبعة وأربعين سنة من استرجاع اقاليم الجنوب للوطن، وهي تعيش على ايقاع متواصل عبر الزمن مكن من خلق نهضة تنموية وعمرانية فعلية، غيرت ملامحها وافاقها وجعلت منها مركز جذب وطني قاري ودولي، بفضل أوراش كبرى وارتكازية ضمن النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية ومشاريع اجتماعية واقتصادية وثقافية وبيئية، وانتصارات دبلوماسية دولية وأممية تحفها وترعاها القيادة الرصينة لملكنا صاحب الجلالة محمد السادس دام له النصر والتمكين، تثبت بالفعل والواقع ما سطره المغرب من أمجاد ضاربة في عمق التاريخ بهذه الربوع من المملكة، وترسخ لحقيقة أن المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: