أخبار

الأدب السنغالي العربي قضايا وتحديات

محمد انجاي ساطوبا

الأدب السنغالي المكتوب بالعربية، قضايا وتحديات
يعتبر الأدب السنغالي العربي من أرقى آداب المنطقة ومن أثراها شعراء وشاعرا، نظرا لما يتمتع به من دينامية أخاذة ومن صحوة ما برحت تدفع بها نحو الأمام، وتصدّرها في منصات الشعر العالمية، عبر ألسانة أدباء شباب واعدين تلقوا شعلته جيلا من جيل، كما حافظوا على اندلاع لهبها حتى برز في هذا التمظهر الذي هو عليه اليوم. وإليك ورقة بسيطة حوله يجعلك أيها القارئ تقف على بعض من قضايا هذا الأدب الغني، وشيء من التحديات تطاله أيضا.
والورقة في محاور ثلاثة:
1) نشأة الأدب السنغالي العربي وخصائصه
2) القضايا التي يتناوله الادب السنعالي
3) تحديات تحديات الأدب السنغالي العربي
دخلت العربية في السنغال مع دخول الإسلام ،فو جدت فيه وطنا ثانيا ، حاوية مضمون القيم الدينية والمعتقدات الإسلامية، فتعلمها أبناء الوطن وأتقنوها وأجادوا في التفنن بها عبر الشعر والنثر الفني، أودعوها عواطفهم ومعانيهم، وخلجات نفوسهم وخواطرهم، وعبروا بها عن آلامهم وآمالهم وأمانيهم. فكانت بذلك أقدم لغة تأليف عرفها الوطن السنغالي في تاريخه القديم.
غير أن مرحلة التأليف تأخرت نسبيا عن دخول العربية في السنغال، كما يشير إلى ذلك الدكتور عثمان جاه الباحث المتخصص في الأدب السنغالي العربي قائلا: “وأما تأليف الكتب، ونظم الشعر فقد تأخرا كثيرا عن دخول اللغة العربية إلى البلاد، لصعوبتهما، وقد بدت معالمهما تتضح منذ القرن الماضي، (التاسع عشر) عندما قام من أكملوا لهما العدة في المجالس، كالشيخ عمر الفوتي المتوفى سنة 1864م، ومن جاؤوا بعده أمثال القاضي ماجاخات كالا، والشيخ موسى كمرا، والحاج مالك سي، والشيخ أحمد بامبا… بتأليف الكتب ونظم الشعر،…فتكدست لدى زوايا الشيوخ إنتاجات كثيرة تكوّن الأدب السنغالي المعبر باللغة العربية”.
وباتباع منطق الدكتور جاه هذا، يمكن لنا القول بأن الأدب السنغالي العربي نشأ ابتداء من هذا الجيل الذي يكوّن اليوم ما يسمى بالزوايا أو الطرق الصوفية خلال القرن التاسع عشرة الميلادي،
وعلى كل، يمكن لنا الجزم –والحال هكذا- بأن الأدب السنغالي العربي لم يتم التوصل بعد إلى بدايته ونشأته الحقيقية، إذ يجب الاعتراف بضياع وفقدان الكثير منه، وأن ما تم العثور عليه لحد الآن واعتباره كبداية ليس إلا مرحلة نضج له واكتمال، ظهر بيد ذاك الجيل الذهبي المبارك الذي يشير له د.جاه من الشيخ الحاج عمر رضي الله عنه ومن بعده.
هذا ومن أقدم النصوص الأدبية التي تم العثور عليها لحد الآن في هذا. الخصوص، قصائد للشيخ الحاج عمر الفوتي رضي الله عنه والتي مطلعها
يقول فوتي وذاك الأفقــــــر الكـــــــــدوي ابن سعيد عمر
الحمـــــد لله الذي توحــــدا في ملكه كــــــفر من قد جحدا
إلهنا صل دوامــا سلــــــــم على الرسول المصطفى المكرم
يا أيها الإخوان لا تشتغلـوا بـالمــــال والبنين خيرا اعملوا
هذا ويمكن لنا أن نذكر من أهم الرواد الأوائل للأدب السنغالي العربي
القاضي مجخت كل (1835-1902م) الشيخ أحمد بمبا خادم الرسول (1853-1927م) والشيخ الحاج مالك والشيخ إبراهيم جوب المشعري وذو النون لي وغيرهم. “.
خصائص الادب السنغالي العربي:
وقد نشأ الأدب السنغالي العربي في بيئة معينة وفي ظل ظروف سوسيو ثقافية خاصة، جعلته يكتسب بذلك خصائص متميزة أو مميزات خاصة، الأمر الذي ساهم في رسم قالب معين له يدور فيه، أو خط موجه سار عليه لفترة طويلة من تاريخ هذا الأدب، مما يجعل إنتاجات أدباء الجيل الأول والثاني حتى الثالث متشابهة إلى حد كبير بحث يصعب على الناقد أحيانا عملية التصنيف فيما بينها أو الفصل بينها.
وعلى ذلك يمكن رسم أهم مميزات وخصائص الأدب السنغالي العربي في الأجيال الثلاثة السابقة فيما يلي::
أولا: غلبة الشعر فيه على النثر
إن المتتبع لإنتاجات الأدباء السنغاليين يلاحظ بوضوح وجلاء احتكار الشعر للميدان الأدبي على حساب النثر الفني، وإن كان هذا شرع في استرداد مساحة فسيحة من الميدان مع كتاب شباب أفذاذ في العزف على وتر النثر، مثل الكاتب جبريل لي الفتى السماوي في خاطراته الأخاذة، والكاتب عبد القادر عبد الرزاق انجاي في سلسلة تنويراته الواعية.
ثانيا: غلبة الطابع الديني فيه: نظرا لكون أكثر الأدباء من الأجيال السابقة ينتمون للبيوتات الدينية على الأغلب، فقد اصطبغت انتاجاتهم بصبغة الدين ومسحة التدين كما يبدو جليا، إلا عند قليل منهم كالقاضي مجخت كل، غير الشعراء الحداثيين وخاصة المعاصرون منهم أكثروا من الأدب الرمزي والشعر الرومانسي على حساب الشعر الديني الذي ساد طويلا هذا الأدب، حيث لم يعد ينطبق عليه وصف شعر الزوايا الصوفية والأمداح الطرقية، ذاك الوصف الذي طالما ردده منتقدوا هذا الأدب وأخذوا به عليه، الشيء الذي ترتب عليه اختفاء قدسية الأدب السنغالي -كما يصفه النقاد- حيث لم يعد الشعر مع الجيل الجديد حكرا على البيوتات الدينية كما سبق. فقد تراجع تلك الطابع تاركا مكانه للشعر الرومانسي والشعر الرمزي وغيرهما، كما يتجلى في قصائد الشاعر الأمين جوب والكجوري وانجوغو انينغ وغيرهم
القضايا المتناولة في الأدب السنغالي العربي:
يتميز هذا الأدب بالتنوع والثراء والدينامية عند البحث عن قضاياه، ذلك أنه يتناول قضايا الوطنية اجتماعية او سياسية، كما لم يغفل أيضا عن تناول القضايا العالمية والإسلامية والانسانية.
أما في القضايا الاجتماعية الوطنية فما تركها شعراؤنا تمضي بلا تسجيل، فقد سجلوا وقائع سياسية ومآسي اجتماعية كانت لها صدى قويا ووقعا خاصا في المجتمع السنغالي، مما يدل على أن هؤلاء الأدباء يعيشون في مجتمعهم لا خارجه. فها هو الشاعر الحاج مالك سك الذي يشتهر عند الأدباء ب”مالك الاقتباس” لقدرته الفائقة في هذا الفن، يقول في قضية الشباب المغامرين في السفر بالقوارب عبر المحيط الاطلسي كما بات يعرف ب”الهجرة غير الشرعية”، مفندا تبريراتهم ودوافعهم في تلك المغامرة الغامضة قائلا من البسيط:
أن يتركوا وطنا مستنــــــــــــزفا وأبــا يبــــــــــــــــــــكي أرى ذاك من آياتنا عجـــــبـــــــــا
وا فتية أبحروا والليل بوصلــــــــــــــــــــــة يعانقون على مــــــــــــــسراهم الحرَبــــــــــا
مشــــــــــــوا على ذهــــــــب لكنهــــــم ذهبــــوا ليبحثوا التيه في منفاهمو ذهبـــــــا
قلنا لهم فارجعوا إذ لا مقام لكم قالوا وهل نستسيغ الجوع والوصبا
قلنا ركبتم عباب البحر مالكمو ركبتم اليأس والإخفاق والعطبـــــــا
كما وقد اهتم الأدب السنغالي العربي أيضا بالقضايا السياية الوطنية. وعليه، فقد أثارت الانتخابات الرئاسية في سنة 2019 حماسة الأدباء وشاعريتهم، فقاموا -متفرقي التوجهات والانحيازات- يدافعون عن مواقفهم، ويخدمون اختياراتهم عبر قناة الشعر والنثر، الشيء الذي أثْرى بشكل كبير الميدان الأدبي، وساعد على إنتاج أدب سياسي رفيع تقَوّى بالحجج والبراهين لمحاولة إقناع الجماهير تارة، أو شن الهجوم على الخصم بهدف تثبيط الجمهور عنه تارة أخرى، مما أدى إلى تراشق الأحجار وتبادل الاتهامات أحيانا بين الشعراء المختلفي الانحيازات، كما يتجلى ذلك في قول الدكتور أبي مدين شعيب تياو حين يحاول وصف تلك الحالة الثائرة قائلا:
تخالف الناس في “سونكو” و”إدريسا” وإن أمرهما أضحى خلابيســـــــا
فذاكمُ “سلفي” في مزاعمهــــــــــــــم وقد يزور زوايا القوم تلبيسـا
وذائه صِل أصلال وضرّســــــــــــــه كرّ الجديدين والأيام تضريســــــا
فمن ينكس –أبقى الله عزتـــــــــــه- عرش الرئيس ولي الأمر تنكيســا

وفي القضايا الإنسانية العالمية أيضا فإن الأدباء السنغاليين أحسوا بالقضايا الإنسانية وهموم المجتمع الفلسطيني وقاموا يتحملون مسؤوليتهم تجاهها. يقول الشاعر تال كاسي غلام الخديم في قصيدته (تمتمات طفل في غزة) مصورا مأساة الطفل الفلسطيني:
لملِم شتاتك أعلم كل من سجـدا عبدا بأن فلسطيني تبث صـــدى
لنكبــة ألمح الدنيا وأقرأهـــــــا محللا كل أحلامي ومنتقـــــــــدا
طفل تغرب في الأكواخ يلدغــه بؤس الحياة وجوع يعصر الكبدا
يبكي فيَبْتل من أمواج دمعتـــه صدر الغريب وخل يشتهي رغدا
يمشي ويحلم أن يحيى وثم يرى شعــــبا يعذب بالتشريد محتشدا
نرى بأن الشاعر بهذه الأبيات يستثير ضمير الإنسانية عامة على القضية الفلسطينية، والتي هي وصمة عار على المجتمع الدولي-كما يسمونه- بل على البشرية جمعاء، كما وقفت عاجزة أمام نكبة الأطفال الفلسطينيين والكابوس الجاثم على صدورهم، في المعاناة الأبدية التي تطويهم من كل جهاتهم، مما جعلهم يفقدون الأمل في الحياة السعيدة وأن الشقاء حظهم الموفور.
كما أن القضايا التي تهز أحيانا العالم الإسلامي لم يتركها الأدب السنغالي العربي تمر دون تسجيل. فها هو الشاعر محمد انيانغ خلال قضية “مذبح العنصرية” بنيوزيلاندا التي ندد بها المسلمون من مختلف أطراف العالم، يقول بلسان الضحايا متحديا الأعداء من البسيط:
قدمت روحي إلى الرحمان باريها فاقتل إذا شئت خلفي ألف أرواح
ديني هو الحق يقوى إذ تحاربـــــه كالعود في النار يمسي جد فواح
هذي صلاتي سأمضي في إقامتــها رغم المخاطر إمسائي وإصباحي
فأرهبوني جميعا ها أنا جبــــــــــــل أنَّــــــــــى يزلــــــــــــــــــــــــــــزلني رشاش سفـــــاح
تحديات الأدب السنغالي العربي​
1-مشكلة التقديس: وهذا الطابع الديني الذي تحدثنا عنه أعلاه، قد يفسر ربما هذه الهالة من التقديس التي تحيط بهذا الأدب القديم، والتي تحرّم تقريبا تناوله بالنقد إلا في حدود ضيقة كما هو واضح، الشيء الذي حال دون التمكن من محاولة تبني مقاربة نقدية جادة تجاه الأدب السنغالي أو في هذه المرحلة على الأقل، مما يشكل حاجزا منيعا بين النقاد وبين هذا الأدب الرفيع الخصب، لكن هذا التحدي بدأ في التلاشي مع إنتاجات الأدباء المعاصرين المعروضة تحت مجاهر النقد والتشريح، علما بأن نشوء النادي الأدبي السنغالي ساهمت بشكل فاعل في هذا التوجه.
2-ندرة الكتابات النقدية الجادة التي يجب أن تشيع تلك الصحوة الأدبية الناهضة، والتي تساهم مبدئيا في تطوير الإنتاجات الأدبية. .
3-عدم توفر مبادرات جاهزة تتعهد هذه الإنتاجات الأدبية الرفيعة بالطبع والنشر والتحفيز، اللهم إلا في حدود ضيقة قد تكلف الكثير الكثير للحصول على فرصة منها، إذ لا يخفى على ذي بصيرة بالتاريخ الأدبي ما للطباعة والنشر من أهمية في تشجيع النهضات الأدبية والدعاية لها.
هذا ويمكن القول أيضا بأن المصطلحات والتعابير الصوفية الغامضة أحيانا خصوصية تميز بها هذا الأدب السنغالي القديم أيضا بكثرة، مما أشكلت على النقاد أحيانا، وشكّلت حاجزا منيعا تعوقهم في محاولاتهم لتشفير تلك الطلاسم وفتح هذه الكلمات السرية. كما أن مشكلة اللغة العميقة المستخدمة أحيانا في هذا الأدب السنغالي القديم، جريا على سنة الأدب الجاهلي المعجمية، مما تميزه في فتراته السابقة،
الخاتمة:
تلك أهم القضايا التي تعرض لها الأدب السنغالي العربي، وما يلاقيه من تحديات قد تعوق دون دراسته ودون عرضه تحت مجهر نقد جاد يسمح بتشريحه وتصنيفه، للقيام بتقسيم عادل وواضح لعصوره ولقوالب الاتجاهات الأدبية يتطور فيها، بعيدا عن الانفعالات الزائفة ومراشقات الزهور الذابلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى