Articles

واشنطن وطهران: صراع الإرادات وحدود القوة في الشرق الأوسط

✍️عمر علي نيانغ

تُعدّ العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية واحدة من أكثر العلاقات تعقيدًا واستعصاءً على الحسم في السياسة الدولية المعاصرة. فهي ليست مجرد حالة عداء تقليدي بين دولتين، ولا مواجهة عسكرية مباشرة قابلة للحسم السريع، بل صراع طويل الأمد بين مشروعين متناقضين في الرؤية والدور والشرعية.
واشنطن، بوصفها القوة الدولية المهيمنة، تسعى إلى إعادة تشكيل السلوك الإيراني بما ينسجم مع مصالحها الاستراتيجية وأمن حلفائها، دون الانجرار – نظريًا – إلى تفكيك الدولة الإيرانية ككيان سياسي. في المقابل، ترى طهران في هذا الضغط المستمر محاولة ممنهجة لإسقاط نظامها السياسي وكسر استقلال قرارها السيادي. وبين التوتر والاحتواء، تتبلور معادلة دقيقة تحكمها حسابات الردع، ومخاطر الانفجار، وحدود استخدام القوة في منطقة تُعدّ من أكثر مناطق العالم هشاشة وتأثيرًا.
أولًا: جذور الاختلاف والتصادم
يرتكز الخلاف بين واشنطن وطهران على تناقض بنيوي في الرؤية السياسية والاستراتيجية. فالولايات المتحدة تنطلق من منطق الهيمنة الليبرالية وإدارة النظام الدولي بما يخدم مصالحها العالمية، وتسعى إلى الحفاظ على توازنات إقليمية تمنع بروز قوى منافسة تهدد نفوذها في الشرق الأوسط.
أما إيران، فتقدّم نفسها بوصفها دولة ذات مشروع حضاري–سياسي–ديني مستقل، رافضة للهيمنة الأميركية، وساعية إلى توسيع نفوذها الإقليمي عبر أدوات سياسية وأمنية وعقائدية، مستفيدة من فراغات القوة والانقسامات داخل دول الإقليم.
ويتجسد هذا التصادم في ملفات مركزية أبرزها:
البرنامج النووي الإيراني وما يحمله من مخاوف تتعلق بتغيير موازين الردع.
النفوذ الإقليمي الإيراني عبر حلفاء وقوى سياسية–عسكرية في لبنان والعراق واليمن وسوريا.
أمن الطاقة والممرات البحرية، خصوصًا في الخليج العربي ومضيق هرمز.
ثانيًا: إسقاط النظام لا الدولة
من منظور استراتيجي، لا تستهدف الولايات المتحدة – في خطابها المعلن – إسقاط الدولة الإيرانية أو تفكيك كيانها الجغرافي، بل تركّز على إضعاف النظام الحاكم أو تغييره، واستبداله بسلطة أكثر انسجامًا مع الرؤية الأميركية، أو على الأقل أقل تصادمًا معها.
ولهذا السبب، اعتمدت واشنطن أدوات الضغط غير المباشر، مثل العقوبات الاقتصادية المشددة، والعزل الدبلوماسي، والضغط الإعلامي، والحرب السيبرانية، بدلًا من خيار الغزو العسكري المباشر الذي أثبت فشله في تجارب سابقة بالمنطقة.
غير أن هذه المقاربة تصطدم بواقع داخلي إيراني معقّد، حيث ما زال النظام يمتلك مؤسسات متماسكة، وأجهزة أمنية فاعلة، وقدرة على تحويل الضغط الخارجي إلى خطاب تعبئة وطنية يعزز شرعيته في مواجهة ما يصفه بـ«الاستهداف الخارجي».
ثالثًا: سيناريو الصراع الشامل وتداعياته الإقليمية
في حال اندلاع صراع عسكري شامل بين واشنطن وطهران، فإن المواجهة لن تظل محصورة بين الطرفين، بل ستتحول إلى صراع إقليمي متعدد الجبهات. فإيران لا تعتمد فقط على قدراتها العسكرية المباشرة، بل على شبكة نفوذ تمتد عبر جماعة أنصار الله في اليمن، وحزب الله في لبنان، وقوى حليفة لها في العراق، وعلى رأسها الحشد الشعبي، إضافة إلى حضورها الخفي في الساحة السورية عبر أذرعها.
وهنا يبرز سؤال جوهري:
هل ستنخرط دول الإقليم، بما فيها الدول التي تستضيف قواعد عسكرية أميركية، في مواجهة مفتوحة إلى جانب واشنطن، أم تتحول هذه الدول إلى ساحات اشتباك غير مباشرة؟
إضافة إلى ذلك، يثار سؤال حول احتمال تدخل قوى كبرى أخرى في النزاع، مثل روسيا أو الصين، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. ويستبعد هذا السيناريو في الوقت الراهن، نظرًا لعقيدة الصين العسكرية التي تميل إلى الحياد والتريث في الصراعات الخارجية، وللاستنزاف الكبير الذي تمر به روسيا في حربها مع أوكرانيا، ما يقلل من فرص مشاركتها الفاعلة أو المباشرة في مواجهة محتملة بين واشنطن وطهران.
المرجّح أن تسعى معظم دول المنطقة إلى النأي بنفسها عن الصراع قدر الإمكان، خشية انعكاساته الكارثية على استقرارها الداخلي وأمنها الاقتصادي. غير أن الواقع الجيوسياسي قد يفرض انخراطًا غير مباشر، سواء عبر استخدام القواعد العسكرية، أو استهداف منشآت حيوية، أو اضطرابات أمنية عابرة للحدود.
رابعًا: الضربة الخاطفة… الخيار الأميركي الأقل كلفة
تاريخيًا، تميل الولايات المتحدة إلى تفضيل خيار الضربة العسكرية المحدودة والدقيقة بدل الحرب الشاملة. أي توجيه ضربات مركّزة تستهدف منشآت نووية، أو مواقع عسكرية حساسة، أو مراكز قيادة وسيطرة، بهدف إضعاف النظام الإيراني أو شلّ قدرته على الرد، دون الانزلاق إلى حرب طويلة الأمد.
غير أن هذا الخيار لا يخلو من مخاطر جسيمة، أبرزها:
صعوبة تحقيق نتائج حاسمة في ظل العمق الاستراتيجي الإيراني.
احتمال الرد الإيراني غير المتكافئ عبر أذرعه الإقليمية.
اتساع رقعة المواجهة خارج الحسابات الأولية لواشنطن.
خامسًا: ماذا لو فشلت واشنطن؟
في حال فشل الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها، سواء عبر الضغوط الاقتصادية أو الضربات المحدودة، فإن المنطقة ستدخل مرحلة جديدة من عدم اليقين. ورغم ما يُطرح أحيانًا من سيناريو تحوّل إيران إلى حرب أهلية شاملة، إلا أن هذا الاحتمال يبقى ضعيفًا في المدى المنظور، نظرًا لتماسك مؤسسات الدولة الإيرانية وقدرتها التاريخية على احتواء الأزمات الداخلية.
الأقرب إلى الواقع هو سيناريو الاستنزاف طويل الأمد:
نظام إيراني مثقل بالضغوط لكنه صامد.
نفوذ إقليمي متراجع نسبيًا لكنه لم ينهَر.
منطقة تعيش على وقع توترات مزمنة دون حسم نهائي.
إن الصراع بين واشنطن وطهران ليس صراع لحظة أو مواجهة عابرة، بل هو صراع إرادات ومسارات طويلة، تُدار فيه القوة بحسابات دقيقة، ويُستثمر فيه الزمن بقدر ما تُستثمر فيه أدوات الضغط والردع. وبين إسقاط النظام واحتواء الدولة، وبين الضربة الخاطفة والحرب الشاملة، تبقى المنطقة بأسرها رهينة هذا الاشتباك المفتوح، حيث لا غالب مطلق ولا مهزوم نهائي، بل توازن هشّ قابل للاهتزاز في أي لحظة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى