
منطق القوة في مواجهة الشرعية الدولية: الحرب الهجينة وتداعياتها على النظام العالمي
✍️عمر علي عيسى نيانغ
يشهد النظام الدولي في المرحلة الراهنة واحدة من أخطر لحظات التصعيد الجيوسياسي، في ظل ما يمكن توصيفه بهجوم مركّب ومتعدد الأبعاد — عسكريًا وأمنيًا وسياسيًا — تشارك فيه الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في سياق يتجاوز منطق الردع التقليدي إلى محاولة إعادة هندسة التوازنات الإقليمية والدولية بالقوة، بعيدًا عن مسارات الحوار والدبلوماسية.
ولا يقتصر هذا التصعيد على الضربات العسكرية المباشرة التي استهدفت منشآت عسكرية وحيوية، بل يمتد ليشمل استهدافًا ممنهجًا لمراكز صنع القرار والقيادات المؤثرة، ضمن إطار حرب هجينة توظّف أدوات متعددة، من بينها العمليات الاستخباراتية، والحرب السيبرانية، والضغط السياسي والاقتصادي، إلى جانب حملات منظمة تهدف إلى زعزعة الاستقرار الداخلي عبر التحريض على العصيان المدني، وتمويل ودعم منظمات معادية للنظام القائم.
وفي مقابل هذا الهجوم المزدوج، جاء رد إيراني مضاد تمثل في استهداف قواعد عسكرية أمريكية منتشرة في عدد من مناطق الشرق الأوسط، ما أدى إلى تصعيد متبادل وسريع في وتيرة المواجهة. وقد أسهم هذا التطور في خلق حالة من القلق والارتباك في عدد من دول الخليج، في ظل المخاوف المتزايدة من اتساع رقعة الصراع وتحوله إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، بما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على أمن المنطقة، واستقرار أسواق الطاقة، وسلامة الملاحة الدولية.
وتكمن خطورة هذا النهج في كونه لا يستند إلى أي تفويض دولي مشروع، ولا يحظى بموافقة المؤسسات الأممية المختصة، وعلى رأسها مجلس الأمن الدولي، ما يجعله خروجًا صريحًا عن قواعد القانون الدولي، وانتهاكًا واضحًا لمبادئ السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، كما نصّ عليها ميثاق الأمم المتحدة.
ويعكس هذا السلوك تصاعدًا مقلقًا في سياسة فرض الأمر الواقع بالقوة، حيث تُستبدل أدوات الدبلوماسية والحوار بوسائل الإكراه العسكري والضغط غير المشروع، في تجاهلٍ واضح لتداعيات ذلك على السلم والأمن الإقليميين والدوليين. كما أن استهداف البنية التحتية الحيوية لا يهدد أمن الدولة المعنية فحسب، بل يعرّض حياة المدنيين للخطر، ويفتح المجال أمام أزمات إنسانية واقتصادية واسعة النطاق.
وعلى المستوى الاستراتيجي، يمثل هذا التصعيد مؤشرًا خطيرًا على تآكل منظومة التعددية الدولية، وتراجع دور المؤسسات الأممية كإطار ناظم لإدارة النزاعات. إن تجاوز الشرعية الدولية من شأنه إضعاف الثقة في النظام العالمي القائم، ويشجّع أطرافًا أخرى على انتهاج الأسلوب ذاته، ما ينذر بتحول الصراعات من نزاعات محكومة بقواعد واضحة إلى مواجهات مفتوحة يصعب التنبؤ بمآلاتها.
كما أن توسيع دائرة الصراع ليشمل أدوات غير تقليدية — كالحرب النفسية والإعلامية، والتدخل في النسيج الاجتماعي للدول — يعمّق الانقسامات الداخلية، ويقوّض الاستقرار طويل الأمد، ليس في الدولة المستهدفة وحدها، بل في كامل الإقليم، بما يحمله ذلك من مخاطر انتشار الفوضى وتدويل النزاعات.
إن ما يجري اليوم يؤكد الحاجة الملحّة إلى موقف دولي مسؤول يعيد الاعتبار لمرجعية القانون الدولي، ويضع حدًا لمنطق القوة كوسيلة لإدارة الخلافات. فالأمن الجماعي لا يمكن تحقيقه عبر الضربات الاستباقية، ولا من خلال تقويض سيادة الدول، بل عبر احترام الشرعية الدولية، وتفعيل آليات الحوار، والاحتكام إلى الحلول السياسية التي تضمن الاستقرار، وتحفظ كرامة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها بعيدًا عن الإكراه والهيمنة.



