
من الخليج إلى إفريقيا: الدروس الإماراتية في الذكاء الاصطناعي (2)
بقلم: الحضرمي ولد السالم
متابعة لمقالنا السابق المعنون ب : امارات الخير.. رائدة وملهمة في مجال الذكاء الاصطناعي.. أحاول في هذا الجزء الثاني من المقالة تتبع ملامح التجربة الإماراتية في مجال الذكاء الاصطناعي، من ابواب متفرقة، منها امتلاك التفوق التقني، والقدرة على الوصول الآمن إلى برنامج تنموي متكامل، يجمع بين الطموح الاقتصادي، والحوكمة الذكية، والبعد الإنساني.فاللافت في التجربة الإماراتية أن الامارات تُصنَّف اليوم ضمن أعلى دول العالم في تطببق واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، على مستوى الأفراد والمؤسسات معًا. هذا الحضور الواسع للتكنولوجيا لا يبدو قرارا من الأعلى، بل ينبع من بيئة عامة تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة يومية لتحسين الحياة، ورفع الإنتاجية، وتقريب الخدمات.وقد انعكس ذلك بوضوح في جعل الذكاء الاصطناعي عنصرًا محوريًا داخل الاستراتيجيات الوطنية لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام، حيث يجري توظيفه في تنويع الاقتصاد، وتعزيز كفاءة القطاعات الحيوية، وبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار. وهي مقاربة تؤكد أن الإمارات تعمل على صناعة المستقبل برؤية واثقة.يجلى ذلك على مستوى الأداء الحكومي، فقد أسهم توظيف الذكاء الاصطناعي في رفع جودة الخدمات وتبسيط الإجراءات وتحسين دقة القرار العمومي، ما جعل العلاقة بين المواطن والدولة أكثر سرعة سلاسة وفعالية. وخلال زيارتي للإمارات، كان هذا البعد العملي هو أكثر ما لفت الانتباه؛ إذ يظهر الذكاء الاصطناعي و يُلمَس أثره مباشرة في تفاصيل الحياة اليومية، وفي طريقة إدارة الوقت، والخدمة، والمعلومة. هذا التقدم في الاستثمارات تتصح معالمه في بنية تحتية متقدمة، تشمل الحوسبة الفائقة، ومراكز البيانات، ومنصات الابتكار، وهي استثمارات لم تُوجَّه للاستهلاك الآني، فقط لكنها تجاوزته لتأسيس منظومة مستدامة قادرة على إنتاج الحلول، لا استيرادها فقط.كل هذا جعل الإمارات تتبوأ موقعها بجدارة كمركز عالمي لجذب المواهب والكفاءات وبناء الشراكات البحثية والتطويرية، مستفيدة من بيئة تشريعية مرنة، ورؤية منفتحة، وقدرة عالية على الربط بين القطاعين العام والخاص. وهو ما جعلها منصة دولية لتلاقي العقول، وتبادل الخبرات، وتسريع نقل المعرفة.غير أن ما يمنح التجربة الإماراتية خصوصيتها الحقيقية هو تركيزها الواضح على الذكاء الاصطناعي المسؤول، الذي يضع الإنسان في قلب التحول الرقمي، ويوازن بين الابتكار والقيم، وبين التقدم التكنولوجي وحماية الخصوصية وضمان العدالة والاستدامة. وهو توجه ينسجم تمامًا مع وصف الإمارات بـ«إمارات الخير»، حيث لا تنفصل الريادة التقنية عن البعد الأخلاقي والإنساني.ومن هذا المنظور، تكتسب التجربة الإماراتية بعدًا يتجاوز حدودها الجغرافية، لتصبح مصدر إلهام حقيقي، خصوصًا للقارة الإفريقية. فإفريقيا، بما تملكه من طاقات بشرية شابة وتحديات تنموية معقّدة، تحتاج إلى نماذج تثبت أن القفز على مراحل التنمية التقليدية ممكن، إذا توفرت الرؤية والاستثمار في الإنسان والتكنولوجيا معًا.إن ما تقدمه الإمارات من نموذج في توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة التنمية، وتحسين الخدمات، وبناء القدرات، يحمل دروسًا عملية لإفريقيا، حيث يمكن للتكنولوجيا أن تكون أداة لمعالجة تحديات الصحة والتعليم والزراعة والإدارة، لا مجرد واجهة حداثية. ومن خلال الشراكات ونقل الخبرات وبناء الحلول المحلية، يمكن لهذا الإلهام أن يتحول إلى أثر ملموس.وتؤكد المؤشرات والتصنيفات العالمية هذا المسار التصاعدي، إذ تحل الإمارات في مراتب متقدمة ضمن مؤشرات الجاهزية للذكاء الاصطناعي والابتكار الحكومي والتحول الرقمي، لتغدو نموذجًا يُحتذى به إقليميًا ودوليًا



