actualite

رحمك الله يا أديب الأطباء

د. أحمد بن عثمان التويجري

رحم الله أخي الحبيب وصديقي العزيز الدكتور عبدالله مناع رحمة واسعة، وتغمده بعفوه وكرمه وإحسانه، وعوضنا فيه خيراً إنه سميع مجيب. التقيت به أول مرة قبل ما يقرب من خمسة وثلاثين عاماً بعد أن عرفته من خلال كتاباته رحمه الله. توطدت علاقتي به خلال مدة وجيزة لما كان بيننا من تلاقي وجداني وفكري حتى أصبحنا شقيقي روح رغم قلة لقاءاتنا لأسباب جغرافية. توثقت العلاقة بين أسرتينا عندما تجاورنا في مدينة ديفون الفرنسية لسنوات خلال إجازات الصيف، وكان نعم الجار ونعم الرفيق.

كان مؤمناً صاحب نفس زكية، وأديباً موهوباً رشيق القلم عذب اللسان، ومثقفاً واسع الثقافة، وقبل ذلك كان مفكراً من الطراز الرفيع. كان يؤمن بالحرية ويرى أنها بوابة الإبداع في كل مجالات الحياة، وكانت له نظرات فريدة في الإصلاح السياسي والاجتماعي. انتمى بالمعاصرة وعلو المكانة الأدبية إلى جيل الكبار في الحجاز من أمثال محمد حسن عواد وعزيز ضياء وحمزة شحاتة ومحمد حسن فقي وطاهر زمخشري رحمهم الله جميعا، وانتمى بمعاصرته وتقدميته للأجيال الجديدة من الكتاب والأدباء والنقاد. كان على مستوى رفيع من التهذيب واللطف والأناقة، وكان محبوباً وله قبول فريد عند كل من عرفه. كان جريئاً بتعقل، وصريحاً بلطف، وصادقاً لا يجري على لسانه وقلمه إلا ما كان حقيقة في قبله.

في سيرته الذاتية (بعض الأيام … وبعض الليالي) تجلى في وصف معاناته في طفولته التي توشحت باليتم، وتفنن في استعراض ووصف الأماكن التي احتضنت بعض أيامه ولياليه سواء في جدة أم القاهرة أم الإسكندرية حتى لكأنه ممسك بيد قرائه يجوب بهم تلك الأماكن. اجتهد في تجنب الحديث عن الذات ولم يستسلم لنزعات تمجيدها وذاك نهج نادر جداً في السير الذاتية.

كان له حضور قوي في ساحات الأدب والثقافة والإعلام في المملكة العربية السعودية بوجه خاص والعالم العربي بوجه عام. كتب القصة في بواكير شبابه، وانتقل منها إلى المقالات الأدبية والسياسية والاجتماعية. وتولى رئاسة تحرير مجلة “إقرأ” عند تأسيسها كما تولى رئاسة مجلس إدارة مؤسسة البلاد، وكان ضيفاً محتفى به في كثير من المؤتمرات والندوات الأدبية والفكرية والثقافية في المملكة والعالم العربي على حد سواء.

كان وطنياً مخلصاً، وقومياً جلداً، مع إيمان عميق بالإسلام وقيَمِه، وجوهريته في صياغة هوية الأمة. انحاز دوماً إلى الضعفاء والمهمشين، وكان لسان صدقٍ لمعاناتهم وتطلعاتهم والمطالبة بحقوقهم. كان معجباً بثورية عبدالله القصيمي رحمه الله رغم تحفظه الشديد على شطحاته، وكان أكثر إعجاباً بالشيخين حمد الجاسر ومحمد بن جبير رحمهما الله لما كان يراه فيهما من توازن حقيقي بين الأصالة والمعاصرة.

كان جليساً مؤنساً لا تُمل أحاديثه وتعليقاته وذا قدرة عجيبة على تذكر التفاصيل وسردها. له حكايات وقصص مع كثير من المشاهير من الأدباء والكتاب والسياسيين، وقد ساعدته ثقافته الموسوعية على الربط بين العلوم المختلفة ومزج الماضي بالحاضر في تحليلاته ونظراته. كان مولعاً بسبر النفس البشرية والغوص في أعماقها، مثلما كان مولعاً بالتدبر في الحياة والوجود والكون. كان يتألم من تشويه الدين من قبل بعض المنتمين إليه، ويعجب من نفور بعض المحسوبين على العلم والثقافة من الدين. كان في أعماقه صوفياً زاهداً ، ولو أدرك الجنيد والسري السقطي والحارث المحاسبي وبشر الحافي لشاركهم زهدهم ولثنى ركبتيه في مجالسهم رحمهم الله جميعا.

برحيله تفقد المملكة العربية السعودية علماً بارزاً من أعلامها ، وأديباً من أدبائها الكبار، ورمزاً فريداً من رموز الاستنارة والوسطية والتسامح والاعتدال في المجتمع السعودي. رحم الله أبا عمرو وأحسن مثواه وجمعنا به في جناته، وأحسن عزاء أسرته الكريمة وعزاءنا وعزاء الوطن فيه، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى