Articles

حين تُغتال العدالة باسم كرة القدم… وتُباع القيم في سوق المصالح

✍️ عمر علي نيانغ

هناك شعوبٌ تعشق كرة القدم، تفرح لانتصاراتها وتحزن لهزائمها، لكنها لا تضعها يومًا في منزلة العبادة؛ فالعبادة الخالصة لله الواحد الأحد، وما عدا ذلك يظل في إطار الشغف الإنساني المشروع لا أكثر. غير أن ما تشهده الساحة الكروية في محطات عديدة يكشف حجم الانحراف الذي أصاب الخطاب الرياضي، حين يتصدّر المشهد أصحاب المصالح الضيقة والأجندات المسبقة، فيسهبون في النقد والتشويه، ويتغافلون عمدًا عن الكواليس المعتمة، وعن ممارسات التلاعب بالوقائع، وتزوير الحقائق، وصناعة روايات ملفّقة كلما تعارضت الحقيقة مع حسابات النفوذ والمال.
إن الأزمة الحقيقية لا تكمن في نتيجة مباراة أو مسار بطولة، بل في منظومة كروية مريضة، على رأسها الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، حيث تحوّلت القيم الرياضية إلى سلعة، وغدا المال هو البوصلة الوحيدة في اتخاذ القرار، حتى وإن كان ذلك على حساب العدالة، وتكافؤ الفرص، وحقوق الشعوب الفقيرة والبسيطة التي ترى في كرة القدم متنفسًا للأمل، لا وسيلة للنهب أو الابتزاز.
أما التحكيم، الذي يُفترض أن يكون صمّام أمان النزاهة، فقد أضحى في كثير من الأحيان أداة تُدار بمنطق المنفعة لا الاستقلالية؛ قرارات متناقضة، ورؤية انتقائية للوقائع، وغيابٌ واضح لمعيار العدالة، ما يطرح تساؤلات مشروعة حول سلامة المنظومة الرقابية وآليات المحاسبة داخل المؤسسات الكروية. وحين تغيب المحاسبة، يُفتح الباب واسعًا أمام الشك، وتتآكل الثقة، وتتحوّل المنافسة من فضاء للعدل إلى ساحة للتأويل والارتياب.
والمؤسف أكثر أن هذا الواقع يجد من يبرّره ويدافع عنه، لا لشيء سوى بدوافع الحقد أو الحسد أو الجهل، فيتحوّل التضليل إلى خطابٍ سائد، ويُرفع الجهل إلى مرتبة الرأي، ويُنصّب بعضهم أنفسهم أوصياء على الحقيقة، بينما هم في الواقع جزء من أزمة الوعي لا من حلّها. وهنا تصبح القضية أعمق من كرةٍ تُركل في ملعب، بل صراعًا حقيقيًا بين وعيٍ يطالب بالعدالة والشفافية، ومنظومةٍ لا ترى في الرياضة سوى سوقٍ مفتوحة للمصالح، تُدار بمنطق الربح والخسارة لا بقيم المنافسة الشريفة.
إن الدفاع عن الرياضة النزيهة ليس تعصّبًا أعمى، بل موقفٌ أخلاقي ومسؤول، ورسالة واضحة مفادها أن كرة القدم ستبقى ملكًا للشعوب، ومساحةً للفرح والأمل، لا مزرعةً للفساد، وأن الحقيقة، مهما حوصرت أو شُوّهت، لا بد أن تجد طريقها إلى النور.
وفي خضم هذا المشهد الملتبس، يبرز أولئك الذين يمكن وصفهم بحق بـ المرجفون في المدينة؛ أصحاب المصالح الضيقة، وحملة ألوية الجهل، ممن اعتادوا التشويش على الوعي العام، وتزييف الوقائع، والانتصار للباطل حين يخدم أهواءهم. فهم لا يخاصمون الخطأ بقدر ما يعادون الحقيقة، ولا يعادون الظلم إلا إذا مست نتائجه دوائرهم الخاصة. وكما يقول الشاعر، في وصفٍ بالغ الدقة لهؤلاء:

ومن تكن المآرب ضلّلتهُ،،،
يجدُ في الحقِّ زيغًا واضطرابا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫8 تعليقات

  1. Thi is a great article no doubt about it, i just started following you and i enjoy reading this piece. Do you post often ? we have similar post on the german best freelancer platform you can check it out if you want. Trusted source by Google.Thank you

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى